في نهاية المطاف، تبهم الحتمية الجغرافية الطرق العديدة التي أستخدمها التأس في البلدان المستعمرة لممارسة تأثيرهم؛ فقد لعبوا أدوارا حاسمة الأهمية في تشكيل مؤسساتهم على الرغم من الهيمنة الخارجية، وأكثر البلدان اللاغربية نجاحا اليوم هي التي امتلكت أكثر المؤسسات المحلية تطورا في المرحلة السابقة على اتصالها بالغرب. >
يمكن رؤية الأسباب المعقدة وراء اختلاف السبل التطورية بأوضح صورة في التغاير بين البلدان الأفريقية جنوب الصحراء وبلدان شرق آسيا، أسوأ وأفضل مناطق العالم أداء على صعيد التنمية الاقتصادية في نصف القرن الماضي. إذ لم تطور بلدان جنوب الصحراء الأفريقية قط مؤسسات محلية قوية على مستوى الدولة قبل اتصالها بالغرب. وحين بدأت القوى الاستعمارية الأوربية «التزاحم على إفريقياه في أواخر القرن التاسع عشر، اكتشفت بسرعة أن مستعمراتها الجديدة لا تكاد تعوض تكلفة إدارتها، وردا على ذلك، تبنت بريطانيا سياسة الحكم غير المباشر، التي بررت استثمار الحد الأدنى من جانبها في إقامة مؤسسات الدولة. ومن ثم، اقتصر الميراث الاستعماري الرهيب واقعية على الامتناع عن الإعمار والتحضير بدلا من البناء والتعمير، عل خطايا السهو لا العمد إذا جاز التعبير، وخلافا لمناطق الاستشار السياسي الأكبر مثل الهند وسنغافورة، لم تورث القوى الاستعمارية مؤسسات قوية، ولاسيما «استبدادية قادرة على اختراق السكان والسيطرة عليهم، بل شهدت المجتمعات التي تتصف بتراث الدولة الضعيف تقوض أركان مؤسساتها الراسخة التترك من دون مؤسسات حديثة كافية تحل محلها. ولا ريب في أن الكارثة الاقتصادية التي حلت بالمنطقة في الجيل اللاحق على الاستقلال كانت هي النتيجة والعاقبة.
يتغاير ذلك كله تغايرة حادة مع شرق آسيا. ومثلما رأينا، ابتكرت الصين الدولة الحديثة ولديها أقدم تراث في العالم للبيروقراطية الممركزة. كما نقلت هذا التراث إلى بلدان الجوار: اليابان وكوريا وفيتنام. لقد سمح تراث الدولة المؤثر لليابان بالنجاة من الاستعمار الغربي كله، في الصين، أنهارت الدولة وانقطع التراث تماما في أثناء الثورات، والحروب، والاحتلال الأجنبي في القرن العشرين، لكن أعاد الحزب