الصفحة 84 من 810

مثل المانيا في أوائل القرن الحادي والعشرين بإدارات الدولة الحديثة والنظيفة (من آفة الفساد) نسبيا، بينما تظل بلدان أخرى، مثل اليونان وإيطاليا، غارقة في وحل السياسة الزبائنية والمستويات المرتفعة من الفساد المستشري؟ ولماذا تمكنت بريطانيا والولايات المتحدة من إصلاح القطاع العام، على الرغم من اختراق المحسوبية والمحاباة لجوانبه كلها في القرن التاسع عشر، وتحويله إلى بيروقراطية أكثر حداثة واعتادة على أسس الجدارة والأهلية؟

من منظور الديمقراطية، تبدو الإجابة محبطة من بعض الجوانب کا سترى. إذ إن البيروقراطيات المعاصرة الأكثر حداثة هي تلك التي أقامتها الدول الاستبدادية في مسعاها لتحقيق الأمن القومي. يصح ذلك، كما رأينا في المجلد الأول، على الصين القديمة، كما ينطبق على النموذج البارز للحكم البيروقراطي الحديث: بروسيا (التي ستوحد المانيا فيما بعد) ، حيث أجبرت على التعويض عن الموقع الجيو-سياسي الضعيف بإنشاء إدارة كفؤة للدولة. من جهة أخرى، وجدت البلدان التي تبنت الديمقراطية مبكرة، قبل ترسيخ إدارات حديثة، أنها تطور قطاعة عامة زبائنية، أول بلد يعاني هذا المصير هو الولايات المتحدة، التي كانت أول من منح حق التصويت لجميع الذكور البيض في عشرينيات القرن التاسع عشر. يصح ذلك أيضا على اليونان وإيطاليا، حيث لم تؤسس أي منهما لأسباب مختلفة - دولة قوية و حديثة قبل فتح باب التصويت

لذلك كله، يصبح الترتيب التسلسلي بالغ الأهمية. واجهت البلدان التي سبقت فيها الديمقراطية بناء الدولة الحديثة، مشکلات أكبر في إقامة الحكم الرشيد من تلك التي ورثت الدولة الحديثة من عهود الاستبداد. صحيح أن بناء الدولة بعد مقدم الديمقراطية ممكن، لكن إنجازه يتطلب غالية حشد أطراف اجتماعية جديدة وقيادة سياسية قوية، تلك هي قصة الولايات المتحدة، حيث قهر الزبائنية ائتلاف ضم مصالح تجارية تضررت جراء الإدارة العامة الهزيلة، ومزارعين عارضوا في الغرب مصالح السكك الحديدية الفاسدة، ومصلحين مدينيين خرجوا من طبقات وسطي ومهنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت