بعد الثورات، خطة هذا المجلد من الكتاب
اقتفى المجلد الأول ظاهرة نشوء الدولة، وحكم القانون، والمحاسبة الديمقراطية حتى قيام الثورتين الأميركية والفرنسية. وسمت هاتان الثورئان النقطة التي وجدت فيها الفئات الثلاث من المؤسسات معا في مكان من العالم - ما نسميه بالليبرالية الديمقراطية، أما المجلد الحالي فسوف يتابع ديناميات تفاعلها حتى بدايات القرن الحادي والعشرين
يعلم مفصل الاتصال بين المجلدين أيضا مطلع ثورة ثالثة أكثر أهمية وتأثيرة بتبعاتها: الثورة الصناعية، يبدو أن الاستمرارية الطويلة الموصوفة في المجلد الأول تشير إلى أن المجتمعات محاصرة في شرك ماضيها التاريخي، ما يحدد خياراتها واختيارها لأنواع النظام السياسي في المستقبل. يعد هذا سوء فهم لقصة التطور المروية فيه، لكن أي حتمية تاريخية ضمنية تفقد كثيرة من صلاحيتها ومشروعيتها ما إن يقلع التصنيع. إذ ترتبط الجوانب السياسية للتطور ارتباطا حيا وبطرائق معقدة مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية. سوف تكون هذه الروابط موضوع الفصل اللاحق.
زادت الثورة الصناعية معدل نمو الناتج القردي زيادة كبيرة في المجتمعات التي شهدت فصولها، وهي ظاهرة جلبت في ركابها تبعات اجتماعية هائلة. كما ضاعف النمو الاقتصادي المستدام معدلات التغيير في جميع أبعاد التطور. بينما لم تشهد السمة الأساسية للحياة الزراعية وطبيعة النظام السياسي ارتقاء كبيرة في الصين بين سلالة هان الأولى في القرن الثاني قبل الميلاد، وسلالة كينغ في القرن الثامن عشر الميلادي؛ وسيكون التغيير في القرنين اللاحقين أكبر وأوسع نطاقا منه في الألفيتين السابقتين ومازالت وتيرة التغيير السريعة هذه مستمرة في القرن الحادي والعشرين.
سوف يركز الجزء الأول من المجلد الحالي بؤرة الاهتمام على أصقاع العالم التي شهدت هذه الثورة قبل غيرها في أوربا وأميركا الشمالية، حيث ظهرت أولى الديمقراطيات الليبرالية، وسيحاول الإجابة عن سؤالين: لماذا تتميز بعض البلدان