الصفحة 78 من 810

باتباع تعريف صمويل هنتنغتون، تتطور المؤسسات السياسية حين تصبح أكثر تعقيدة، ومرونة، واستقلالية، وتلاح. لكنه يقدم الحجة على أنها قد تتعرض للانحطاط أيضأ، توجد المؤسسات لتلبية احتياجات معينة للمجتمعات، مثل شن الحروب، والتصدي للنزاعات الاقتصادية، وتنظيم السلوك الاجتماعي. لكن بوصفها أنماط سلوكية متكررة، يمكن أيضا أن تعاني التصلب وتفشل في التأقلم حين تتغير الظروف التي أنشأتها أول مرة. هنالك نزعة محافظة متأصلة في السلوك البشري تميل إلى إحاطة المؤسسات بالأهمية العاطفية ما إن تصبح جاهزة للعمل. كل من يقترح إلغاء الملكية البريطانية، أو الدستور الأميركي، أو النظام الامبراطوري الياباني، واستبدالها بنظم أكثر حداثة وأفضل أداء، يجد نفسه أمام مهمة بالغة الصعوبة

ثمة مصدر آخر للانحطاط السياسي إضافة إلى فشل المؤسسات في التكيف مع الظروف المستجدة، إذ تعتمد النزعة الاجتماعية الطبيعية في البشر على اصطفاء الأقارب والإيثار المتبادل -أي تفضيل الأقرباء ومحاباة الأصدقاء، وبينها تسعى النظم السياسية الحديثة إلى تشجيع الحكم اللاشخصاني، تنزع النخب في معظم المجتمعات إلى اللجوء إلى شبكات الأقرباء والأصدقاء، بوصف ذلك وسيلة لحماية مواقعها وباعتبارهم مستفيدين من جهدها. وحين تنجح التستوليا على الدولة أو اتأسرهاا کا يقال، ما يقلص شرعية هذه الأخيرة ويجعلها أقل خضوعا لآليات المحاسبة والمساءلة أمام السكان ككل. وكثيرا ما توفر الفترات الطويلة من السلام والازدهار الظروف الملائمة لتوسيع المجالات التي تستولي عليها النخب، ما قد يؤدي إلى أزمة سياسية إذا تبعها انكماش اقتصادي أو صدمة سياسية خارجية

في المجلد الأول قدمنا أمثلة عديدة على هذه الظاهرة. في القرن الثالث الميلادي، انهارت سلالة هان العظيمة في الصين حين أعادت عائلات النخب الاستيلاء على الحكومة، واستمرت في الهيمنة على مقدرات السياسة الصينية في عهد أسرتي سوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت