الصفحة 734 من 810

كبيرة، فإن القليل منها صالح للملاحة لمسافات طويلة (نهر النيل طبعا استثناء، وقد سهل نمو حضارة كبيرة على مستوى الدولة) . لذلك بقيت المستوطنات الأوربية المبكرة على الشواطي، ونشأت أصلا لتجارة العبيد أو كمستودعات تجارية ومحطات معزولة عن مناطقها الداخلية. لم تتوافر خرائط عن الداخل الإفريقي في الواقع حتى الرحلات الاستكشافية التي قام بها ريتشارد بيرتون وديفيد ليفنغستون وهنري مورتون ستانلي وجون هانتغ سبيك في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر. أما بناء الطرق الذي كان أمرا حيويا في ربط أجزاء من إمبراطوريات متباينة، كالإمبراطورية الرومانية أو إمبراطورية الإنكا، فكان أصعب الى حدهائل في مناطق الغابات الاستوائية.

أشرت في المجلد الأول إلى نظرية روبرت كارنييرو في أن التحديد الجغرافي كان شرطة مها للتحول من المجتمع القبلي إلى المجتمع على مستوى الدولة (20) . في المناطق المفتوحة وغير المحددة جغرافية، تتمتع الوحدات القبلية التي تتعرض للضغط من قبل سلطة سياسية مركزية بخيار الرحيل والانتقال پ?ساطة إلى مكان آخر. وهذا في الواقع كان وضع معظم أرجاء إفريقيا الاستوائية، حيث توافرت الأراضي على الدوام بكثرة وشكلت الغابات ملجأ قريبا للهرب. حسب هربست، لهذا السبب لم تفم سلطة سياسية بالمعنى الإقليمي في القسم الأكبر من إفريقيا. ونظرا للصعوبة البالغة في فرض السيطرة المادية على مساحات واسعة، مورست السلطة إلى حد أبعد على الأشخاص، کالم تتوافر للحكام خرائط دقيقة لمناطقهم على غرار النبلاء الإقطاعيين في أوربا كثيفة السكان، فزرعوا شبكات سلطة تنتشر عبر شبكات زبائن من دافعي الجزية)

يبدو لي أن ما يوصفه هربست ليس مفهومة بديلا للدولة بقدر ما هو توصيف المجتمعات قبلية على تخوم التحول إلى مستوى الدولة، مع بقائها إلى حد ابعد على الطرف القبلي من المتصل. تشبه المجتمعات الإفريقية من هذه الناحية المجتمع الصيني خلال حقبة سلالة جو الغربية في النصف الأول من الألفية الأولى قبل الميلاد، أو أوربا في عهد كلوفيس في القرن الميلادي الخامس، في مثل هذه المجتمعات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت