الصفحة 684 من 810

على النقيض من بيرو والمكسيك، اللتين استضافتنا أعداد كبيرة من السكان الأصليين في الفترة السابقة لمجيء کولمبوس، قامت الدولة الأرجنتينة أصلا في منطقة يشار إليها باسم «أرض الاستيطان الجديدة، على نحو مشابه للولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. بالطبع، لم تكن تلك فعلا أراض أستيطان جديد، فقد سكنتها مجتمعات صيدا جمع شيار قليلة الكثافة، وأحيانا مجتمعات زراعية بما فيها جماعات البيهوينتشي والتيهويلتشي والبويلتني، التي استوطن أقرباؤها أيضا جنوب تشيلي، أبدت هذه الجماعات في أحيان كثيرة مقاومة عنيفة لمجتمعات المستوطنين، لكنها في النهاية أخضعت بالقوة وهمشت كأقرانها في أميركا الشمالية. كان المستوطنون آنذاك على قناعة بأنهم يحتلون أرض مشاعة لا تعود ملكيتها لأحد (terra pullis) ، ويتمتعون بالتالي بكامل الحرية في إقامة مؤسساتهم الخاصة عليها.

وهكذا، كان السكان الأرجنتينيون من بين أكثر شعوب أميركا اللاتينية أوربية، وعلى عكس المكسيك وبيرو، لم تكن الأرجنتين مقسمة إلى طبقة من المستوطنين البيض وكتلة كبيرة من السكان الهنود والمولدين الخليط. في أواخر العهد الاستعماري كانت هناك عبودية، بل شكل السود في إحدى الفترات أكثر من ربع سكان العاصمة بوينس آيرس، لكنها ألغيت في وقت مبكر وجرى دمج السود وتمثلهم تدريجيا مع السكان الأوروبيين الأكثر عدد). في الحقيقة، جري اتبيض» هائل لسكان الأرجنتين نتيجة هجرات كبيرة من أوربا في نهايات القرن التاسع عشر، مما زاد عدد السكان من 1

7 مليون نسمة عام 1869 إلى 2

9 مليون نسمة عام 1914، وجاء 46 ? من هؤلاء المهاجرين الجدد من إيطاليا، و 32 ? من إسبانيا. في حين انقسمت الأرجنتين حسب المناطق، وحسب الصدع الكبير بين العاصمة والمدينة الكوزموبوليتانية بوينس آيرس من جهة، والمناطق الريفية النائية والمتخلفة من جهة أخرى، لم تشكل الإنية والعرق قضايا سياسية مهمة (1) .

كانت الأرجنتين مثالا كلاسيكية على «انقلاب الحظوظه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إذ أصبحت المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية التي كانت خصبة في القرن السادس عشر أراضي فقيرة ما لبثت أن أزاحتها المناطق الأكثر اعتدالا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت