الصفحة 60 من 810

ومع أن الحكومات الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر قامت بمحاولتين رئيستين لإلغاء ممارسة بيع المناصب العامة، لكن فشلت كلتاهما لأن هذه المجموعة النخبوية تمتعت بسلطة أقوى وخشيت من التعرض لخسارة ضخمة نتيجة الإصلاح. لقد مثل فساد هذا النظام وعدم قابليته للإصلاح أحد العوامل التي أدت إلى الثورة نفسها، وفي أثنائها، طرد جميع أصحاب المناصب الذين اشتروها بالمال، وفي حالات كثيرة فقدوا رؤوسهم مع مناصبهم. ولم يكن بالمستطاع إقامة مجلس الدولة الجديد عام 1799 إلا بعد تهيئة الأرضية بعملية التطهير هذه، وسوف تصبح تلك المؤسسة ذروة نظام بيروقراطي حديث فعلا

ما كانت التراتبية الإدارية الجديدة لتنجح لولا إيجاد نظام تعليمي أكثر حداثة مصمم لتدعيمها، كان النظام القديم قد أنشأ مدارس تقنية في القرن الثامن عشر التدريب المهندسين وغيرهم من المختصين، لكن الحكومة الثورية أقامت عام 1794 عددا من المدارس الكبرى (Grand Ecoles) ، مثل المدرسة العليا للأساتذة (Ecole Normale Superieuro) ، ومدرسة التقنية المتعددة (Ecolo Polytechnique) ، بغرض محدد يتمثل في تدريب موظفي الدولة. وبدورها، اعتمدت هذه المدارس، التي تنحدرت منها المدرسة الوطنية للإدارة(Ecole Nationale d

)بعد الحرب العالمية الثانية، على نظام من المدارس الثانوية المرموقة (lycees) .

لا يعني هذان الابتكاران المؤسسيان - إدخال مدونة قانونية جديدة وإيجاد نظام إداري حديث - قيام حكم ديمقراطي. لكنها حققا بعض الغابات المساراتية. إذ لم يعد القانون بجاي طبقات معينة تستغل النظام لمصلحتها؛ بل أصبح الآن ملتزمة بالتعامل على قدم المساواة مع الأفراد كلهم من حيث المبدأ على الأقل وإن لم يطبق ذلك دوما على أرض الواقع، ولا عادت الملكية الخاصة خاضعة للقيود الإقطاعية وأمكن لاقتصاد سوق جديد وأوسع نطاقا أن يبدا بالازدهار نتيجة لذلك. كما تعذر تطبيق القانون من دون بيروقراطية خضعت للإصلاح حديثا، وتحررت من

حمل الفساد الذي تراكم على مر القرون. أدي العاملان كلاهما - القانون والدولة الإدارية - من جوانب عديدة دور القيد الكابح لتعسف الحكام المستبدين. تمتع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت