الصفحة 594 من 810

يمكن أن يلائم قيام حضارة كبرى هناك، بل مجرد سلسلة لا تنتهي من الأودية الجبلية الضيقة. ظلت أفغانستان محطة مأهولة تتقاطع عندها طرق القوافل لآلاف مؤلفة من السنين، لكنها لم تتحول حتى اليوم إلى دولة مركزية قوية وطيدة الأركان على الرغم من مسعى سلسلة طويلة من الغزاة، بدءا بالإغريق، مرورا بالفرس والبريطانيين، وانتهاء بالسوفييت وحلف التيتوه. تفسر هذه النتيجة على ما يبدو التضاريس الجبلية الوعرة، وعدم وجود منفذ بحري لأفغانستان، وطوق الجيران الأقوياء (إيران وروسيا وباكستان) (10)

لعبت الجغرافيا الطبيعية أيضا دورا في حضور الاستبداد والديمقراطية أو غيابها. لكن الآلية التي اشتغلت بها لم تكن واحدة من تلك التي ناقشها الاقتصاديون. بل عامل أشار إليه مونتيسكيو، وله علاقة بملاءمة بعض التضاريس المعينة للفتح أو الدفاع من الناحية العسكرية، يميل الاقتصاديون إلى الاعتقاد بأن القوة السياسية مستمدة من القوة الاقتصادية وتخدم مصالح اقتصادية. لكنها كثيرا ما تستند إلى تفوق التنظيم العسكري، الذي يعد بدوره نتاجا للقيادة، والروح المعنوية والمحفزات، والاستراتيجية، والتقنية بالطبع. الموارد مكون مهم طبعا في القوة العسكرية، لكن لا توجد صيغة بسيطة لتحويل القوة الاقتصادية إلى قوة عسكرية. وعلى مدى ألفي عام تقريبا، استطاع الفرسان المنظمون قبلية الذين انطلقوا من آسيا الوسطى غزو الحضارات الزراعية المستقرة الأكثر ثراء والأعقد تنظيم والاستيلاء عليها. أما أشهر هذه الجماعات فهم المغول الذين اجتاحوا، بعد الانطلاق من إسار المناطق المعزولة لوطنهم الأم في آسيا الداخلية في القرن الثالث عشر، ما يعرف اليوم بروسيا وأوكرانيا وهنغاريا وإيران والصين بأكملها (في عهد أسرة سونغ) وبلاد الشام وأجزاء من شمال الهند.

هنالك عاملان ماديان اثنان جعلا هذه الفتوحات ممكنة: أولا، تدجين الحصان الذي لم يكن معروفة في العالم الجديد إلى أن أدخله الإسبان، كما لاحظ جارد ديامونده ثانية، حقيقة أن معظم أوراسيا سهول مسطحة ومفتوحة نسبية، تنسب قدرة المغول الاستثنائية على الحركة إلى حقيقة أن العبء الثقيل للإمداد اللوجستي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت