الصفحة 592 من 810

والنهر الأصفر في الصين، ووادي المكسيك، وحيث سمحت خصوبة التربة بالزراعة الإنتاجية والكثافة السكانية المرتفعة، فضلا عن ذلك كله، كان من الضروري أن تكون هذه الوديان متوسطة الحجم، فإذا ضاقت مساحتها كثيرة، مثل عديد من أودية بابوا غينيا الجديدة ومرتفعات جنوب شرق آسيا، عجزت عن دعم ما يكفي من السكان القادرين على السيطرة على مناطقهم والاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير لإنشاء مؤسسات على مستوى الدولة. من ناحية أخرى، إذا بالغت في الامتداد والتوسع على مساحة كبيرة ومفتوحة، أخفقت في منع العبيد وغيرهم من الخدم والعمال من الهرب من سلطة الدولة. المجتمعات القبلية مساواتية ويمكن أن تعتمد في البقاء على سلسلة واسعة من الأراضي. بينما تعد الدول، بالمقابل، قاهرة وبحاجة في الحالة النمطية إلى فرض الطاعة والخضوع على مواطنيها. يؤكد عالم الأناسة الأنثروبولوجيا روبرت كارنييرو أن هناك حاجة إلى درجة معينة من التحديد الجغرافي لإتاحة إنشاء الدول المبكرة. بينما لاحظ زميله إيان موريس نهوض الحضارات في أماكن متباعدة ومنفصلة تتقاسم ظروفا بيئية مشتركة (ما يدعوه اخطوط العرض المحظوظة») ، كتلك السائدة في أوربا والصين (9)

تمضي هذه الظروف الجغرافية شوطا بعيدا لتفسير توزع مستويات التنظيم السياسي في شتى أرجاء العالم. هنالك اليوم عدد من المجتمعات الباقية (على مستويي القبيلة أو الزمرة أو كليهما) قاومت الاندماج في دول. لكنها لا توجد إلا ضمن شروط بيئية محددة: إما جبال افغانستان او مرتفعات جنوب شرق آسيا)، أو صحارى (البدو في شبه الجزيرة العربية، والبدو الرحل في الصحراء الكبرى، وشعب كونغ سان/ البوشمن في كالاهاري) ، أو أدغال (الجماعات القبلية في الهند وأجزاء من إفريقيا) ، أو مناطق قطبية شديدة القسوة (الإسكيمو، والإنويت في أقصى شمال كندا) ، تمكنت هذه الشعوب من البقاء ببساطة لأن الدول وجدت صعوبة في الوصول بقوتها العسكرية إلى مناطقها. أما فشل الدولة المحلية في الظهور في بابوا غينيا الجديدة على الرغم من أن الإنسان الحديث سكنها على مدى أربعين ألف سنة تقريبا، فهو مرتبط على ما يبدو بحقيقة عدم وجود واد خصب مفتوح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت