الصفحة 512 من 810

لاحظنا في الإطار العام للتطور الذي عرضناه في الفصل الثاني، كثيرا ما يحفز النمو الاقتصادي التحشيد الاجتماعي عبر توسيع تقسيم العمل. يودي التحديث إلى التمدين، وإلى مطالب بمستويات مرتفعة من التعليم، والتخصص المهني، وجملة أخرى من التغييرات التي تنتج عدد من اللاعبين الاجتماعيين الجدد غير الحاضرين في المجتمع الزراعي، ليس لدى هؤلاء اللاعبين مصلحة كبيرة في النظام الميراثي القائم، ويمكنهم إما الاندماج فيه، أو تشکيل ائتلاف خارجي لتغيير القواعد والقوانين التي يشتغل بواسطتها.

تكشف السيناريو الثاني في بريطانيا والولايات المتحدة، إذ دخل البلدان مرحلة التصنيع في وقت مبكر، وقادت جماعات الطبقة الوسطى الجديدة التي تشكلت نتيجئها حملة المطالبة بإصلاح الخدمة المدنية، التي وجدت التعبير التشريعي عنها في إصلاح نورثكوت-تريفليان و قانون بندلتون. جرت عملية الإصلاح البريطاني بسرعة أكبر من الأميركي لعدة أسباب: أولا، كانت النخبة البريطانية أشد تراص وتازرا وحظيت بسيطرة أكبر على عملية الإصلاح، ثائية، لا يفرض نظام «ويستمنستر، سوى عدد قليل من العقبات أمام الفعل السياسي الحاسم مقارنة بالنظام الأميركي المعقد القائم على الضوابط والتوازنات. أسهمت المحاكم، والمعارضة على مستوى الولايات، وصعوبة تحقيق أغلبية تشريعية واضحة، في إبطاء عملية الإصلاح الأميركي، لكنها لم تكن مهمة في الحالة البريطانية. أما الفارق الأهم فتمثل في حقيقة أن الزبائنية قد أصبحت متجذرة في أعماق السياسة الأميركية قبل هجمة الإصلاح، ومن ثم كان استئصالها أشد صعوية.

يوصلنا ذلك كله إلى سؤال الزبائنية، ولماذا غدت أشد قوة وأكثر انتشارا في بعض البلدان من سواها، قدم مارتن شيفتر بالأساس الإجابة التي اقترحتها هنا هذه الحالات: المسألة تتعلق بالتسلسل التاريخي الذي أدخلت به المؤسسات الحديثة، وعلى وجه الخصوص المرحلة التي فتح فيها حق الاقتراع الديمقراطي أول مرة). عزف الزبائنية بأنها مقايضة الأصوات والدعم السياسي بالمكاسب والفوائد الفردية بدلا من السياسات البرامجية، وميزتها عن أنظمة المحسوبية النخبوية حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت