الصفحة 484 من 810

فيما يتعلق بمسار حياتي."من أنا؟"، أصبح فجأة سؤالا حقيقية وملحة. شابه هذا الانتقال أزمة أو صدمة وأفرز وضعا دعاه إميل دوركهايم بالشذوذ أو غياب المعيار. رأي دوركهايم الشذوذ يتمظهر في زيادة معدلات الانتحار في المجتمعات الحديثة، لكنه وجد التعبير أيضا في المعدلات المرتفعة للجريمة وانهيار الأسرة التي كثيرا ما ارتبطت بالتغيير الاجتماعي السريع

من مشكلات نظرية غيلئر التي تربط القومية بالتصنيع والثقافة المؤسسة لغوية أنها تخفق في تفسير انبثاق القومية في المجتمعات غير الصناعية. ففي كثير من بلدان أوربا الغربية وأميركا الشمالية، دفع النمو الاقتصادي التغيير الاجتماعي ليسير حسب التسلسل الآتي: توسيع التجارة - تصنيع - تمدين - أشكال جديدة من التحشيد الاجتماعي، لكن هذا التسلسل ليس محتومة. في اليونان وإيطاليا الجنوبية مثلما رأينا، جرى تخطي تأثير مرحلة التصنيع أو تقليصه إلى حد بعيد. وتمدن المجتمعان كلاهما من دون إيجاد قطاعات صناعية كبيرة -وهي ظاهرة أسميها الحديثة من دون تطويره. ساد هذا النمط في كثير من المجتمعات اللاغربية أيضا،

حيث رعت الكولونيالية التمدين وإيجاد نخبة حديثة، دون التسبب في إحداث تغيير عميم في المجتمع بواسطة الاستخدام الصناعي واسع النطاق.

اعتمدت القومية في بلدان العالم الكولونيالي السابق على مصادر مختلفة أخرى لم تجدها في أوربا الغربية. وإذا كانت هذه البلدان لم تتبع النمط الأوربي الغربي في التصنيع، فقد اكتسبت طبقة جديدة من التخب التي واجهت ثقافات المستعمرين المختلفة كليا. شعرت هذه النخب بضغوط هائلة للتوافق والانسجام مع ثقافة السلطة الاستعمارية وتقاليدها، وفي الحقيقة، أمتصت البنية الكولونيالية المهيمنة معظمها. لكن ذلك خلق أزمة هوية، مع انفصالها باللغة والتغريب عن عائلاتها ومواطنيها. أصابت هذه الأزمة المحامي الشاب المتعلم في بريطانيا مهندس کرمشاند غاندي حين كان يمارس المهنة في جنوب إفريقيا، و قادته في نهاية المطاف إلى الكفاح من أجل استقلال الهند، وهي الأزمة ذاتها التي أجبرت ثلاثة من الكتاب السود من مستعمرات فرنسية مختلفة، أيمي سيزير، وليون دوماس، وليوبولد سنغور، على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت