حتى حين كانت الولايات المتحدة تضع القواعد التأسيسية لقطاع عام حديث، زرعت بذور المشكلات اللاحقة في نمو الحكومة البيروقراطية. وما إن أوجد نظام يعتمد على الجدارة والأهلية حتى تجمع الموظفون المصنفون حديثا في الحكومة معا التشكيل نقاباتهم الخاصة بهم والضغط على الكونغرس لحماية مكانتهم ووظائفهم. في عام 1901، بدأت نقابة موظفي البريد المشكلة حديثا بالضغط من أجل إعادة تصنيف المناصب والرواتب، وسعي الكونغرس ردا عليها إلى الحد من قدرة موظفي القطاع العام على ممارسة الضغط دون وسيط. صحيح أن الرئيس روزفلت أيد حق موظفي القطاع العام في التنظم ضمن نقابات، لكنه أراد الحد من أنشطتهم السياسية بحيث يحتفظ بالسيطرة النهائية على هيئات السلطة التنفيذية. زاد تنظم موظفي القطاع العام باطراد في ظل الاتحاد الأميركي للعمل، الذي ضغط من أجل تمرير «قانون لويد-لا فوليته عام 1912، الذي اعترف صراحة بحق عمال القطاع العام في التنظم والناس الكونغرس مباشرة (لكن من دون الحق في الإضراب) (39) .
يؤكد تنظيم نقابات القطاع العام وبروز الموظفين الأكفاء على شكل جماعة ضغط قوية إحدى المعضلات الكبرى المتأصلة في الاستقلالية البيروقراطية. إذ ابتكر نظام الجدارة والأهلية لحماية موظفي القطاع العام من المحسوبية والتسييس المفرط للبيروقراطية، من ناحية، ومن ناحية أخرى، أمكن استخدام هذه القواعد والأنظمة الحمائية نفسها درعا لوقاية البيروقراطيين من المحاسبة، ما يجعل من الصعب طردهم عندما يفشلون في أداء واجبهم. قد تؤدي الاستقلالية البيروقراطية إلى حكومة عالية الجودة بسعى فيها المسؤولون إلى تحقيق الصالح العام. كما يمكن أن تحمي المصلحة البيروقراطية الذاتية في الأمان الوظيفي والرواتب.
اليوم، أصبحت نقابات القطاع العام نفسها جزء من نخبة تستخدم النظام السياسي لحماية مصالحها الذاتية. ومثلما سنرى في الجزء الرابع، عانت جودة الإدارة العامة الأميركية تراجعا كبيرا منذ سبعينيات القرن الماضي، ويعود معظم السبب إلى قدرة هذه النقابات على الحد من الجدارة بوصفها أساسا للتوظيف والترقية. وهي تشكل جزءا لا يتجزأ من القاعدة السياسية للحزب الديمقراطي المعاصر، ما