الصفحة 30 من 810

تربط هذه الاحتجاجات معا، ومع الربيع العربي الذي بدأ قبلها بسنتين، حقيقة أن الطبقة الوسطى هي القوة المحركة وراءها أساسا. نتيجة للتطور الاقتصادي الذي حدث على مدى الجيل السابق، برزت طبقة وسطى جديدة في البلدين، تجاوزت في توقعاتها وآمالها مستوى تلك التي راودت جيل الآباء. شهدت مصر وتونس معدلات منخفضة من النمو مقارنة بتركيا أو البرازيل، ومع ذلك، تخرجت من جامعات البلدين أعداد كبيرة من الطلاب الذين أحبطت آمالهم في العثور على وظيفة أو حياة مهنية مستقرة جراء المحسوبية التي تنخر النظامين الاستبداديين. ولم تكن حقيقة إجراء تركيا والبرازيل انتخابات ديمقراطية كافية لتهدئة المحتجين. فقد وجب على الحكومة فعلا تحقيق نتائج أفضل إذا أرادت أن تحظى بالشرعية، واحتاجت إلى التحلي بقدر أكبر من المرونة والاستجابة للمطالب العمومية المتغيرة من جهة ثانية، بدأت الصين، التي تمثل قصة أخرى للنجاح الاقتصادي، تواجه تحديات مشابهة من طبقتها الوسطى الصاعدة، التي تعد حاليا بمئات الملايين. ومع أن أفرادها استفادوا من النمو الاقتصادي الذي شهدته البلاد في الجيل الماضي، إلا أن آمالهم وتوقعاتهم من الحكومة بدت كبيرة ومختلفة، كحال غيرهم في بلدان أخرى، وسوف يعتمد بقاء الأنظمة السياسية في هذه البلدان كلها اعتادة حاس على الدرجة التي تصل إليها في التكيف مع المشهد الاجتماعي الجديد الذي أوجده النمر الاقتصادي.

المشكلة مع الحكومة ربما تبدو هذه الأمثلة الثلاثة حالات مختلفة اختلافا كبيرة، حيث تظهر المشكلات نتيجة سياسات محددة وشخصيات خاصة وسياق تاريخي، لكنها في الحقيقة مرتبطة بخيط مشترك يؤدي وظيفة الشرط الضروري المرافق للحياة السياسية كلها: المؤسسات. المؤسسات هي أنماط سلوكية ثابتة وقيمة ومكررها تبقى بعد انتهاء حكم الزعماء الأفراد. وتعد في الجوهر قواعد مستمرة تشكل السلوك البشري وتحده وتوجهه. تكمن مشكلة ليبيا ما بعد القذافي في غياب المؤسسات الأساسية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت