مجتمعات الثقة المتدنية يجب أن ألاحظ بداية أنني حين أتحدث عن إيطاليا فإنها أشير إلى مجتمع لم يتوحد سياسية إلا في ستينيات القرن التاسع عشر، حيث جمع الشمال المتميز بالازدهار النسبي وحسن الإدارة مع الجنوب الفقير والمتخلف. وفي الحقيقة، فإن عديدة من السمات المميزة للزبائية والفساد السياسي التي يربطها المراقبون الأجانب بإيطاليا ككل تنطبق على المنطقة الجنوبية، (Mezogiorno) (الواقعة إلى الجنوب من روماء وتشمل جزيرة صقلية) أكثر من لومبارديا وبيدمونت وفينيتو وتوسكانيا. عرفت هذه في التأريخ الإيطالي بامسألة الجنوب - لغز السبب المحير وراء الفوارق التاريخية بين قسمي إيطاليا في المقام الأول، ولماذا بقيت على حالها دون أن تتقلص طوال قرن ونصف القرن منذ التوحيد، هنالك في الواقع درجة معينة من الصوابية السياسية بين الطليان حتي حول إثارة السؤال المتعلق بتباين الجنوب، لكن هذه الاختلافات راسخة ومتجذرة إلى حد يتعذر تجاهلها).
اللافت في التوصيفات السوسيولوجية (من منظور علم الاجتماع) للحياة التقليدية في جنوب إيطاليا وفي اليونان مدى التشابه بينهما على صعيد غياب الثقة الاجتماعية وأهمية العائلة بوصفها القاعدة الأساسية للتعاون الاجتماعي"). ثمة تراث طويل من الكتابات التي تتناول جنوب إيطاليا وتلاحظ غياب البنى الهيكلية المدنية الجماعات والجمعيات غير الرسمية بين العائلة والدولة. يطرح الباحث المختص بالعلوم السياسية إدوارد بانفيلد، في وصفه الإثنوغرافي (من منظور علم الأعراق البشرية لبلدة صغيرة وفقيرة في بازيليكاتا، مفهوم «الأسرية اللاأخلاقية» ، ويصف قانونها بأنه «مضاعفة المزايا المادية على المدى القريب للعائلة النووية، على افتراض أن الآخرين سيفعلون الشيء نفسها. يأتي التعاون ضمن الأسرة على حساب القدرة الأوسع على الثقة بالغرباء: «أي ميزة تمنح لعائلة أخرى ربما تكون بالضرورة على حساب العائلة. لذلك، لا يمكن تحمل ترف الإحسان، أي إعطاء الآخرين أكثر من حقهم، أو حتى العدل، أي حقهم فحسب .. أما الموقف المعقول تجاه أولئك"