عصور الاستبداد، کارأينا في الفصل الرابع، بيروقراطية مستقلة وحديثة و مستندة إلى الجدارة والأهلية، فقد بدأ تحديث الدولة قبل ظهور المشاركة الديمقراطية الكاملة. وحين تشكلت الأحزاب السياسية اعتمدت على الآيديولوجيا والأجندات البرامجية، ولم تكن الزبائنية قط مصدرا للسلطة السياسية. بالمقابل، لم تطور اليونان وإيطاليا بيروقراطية حديثة قبل التحول إلى ديمقراطية انتخابية، وظل البلدان في معظم فترات التاريخ يستخدمان التوظيف العام وسيلة لحشد الأصوات. أما النتيجة فكانت عجز مزمنا عن السيطرة على الاستخدام في القطاع العام، ومن ثم على فاتورة الرواتب والأجور حتى يومنا الحاضر. اتبع البلدان تسلسلا أقرب إلى نهج الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر من نظائرهما في شمال أوربا: وصلت الديمقراطية قبل الدولة الحديثة، ما جعل هذه الأخيرة خاضعة لصالح السياسيين الحزبيين.
ومع أن الولايات المتحدة ابتكرت الزبائية، كما سنرى في الفصول و-11، إلا أنها استأصلت هذه الممارسة ووضعت الركيزة المؤسسة لدولة حديثة تستند إلى الجدارة مع نهاية الحقبة التقدمية (ه) . صحيح أن الميراثية عادت على شكل سياسة جماعات المصالح والضغط، لكن الشكل الزبائني المحدد الذي اتخذته في القرن التاسع عشر لم يعد شائعة. بالمقابل، يستمر الطراز القديم من الزبائنية في اليونان وإيطاليا، على الرغم من حقيقة أن البلدين من المجتمعات الصناعية الثرية. في الولايات المتحدة، أوجد التطور الاقتصادي جماعات من الطبقة الوسطى الجديدة شكلت الأساس الائتلاف تقدمي. بينما تشير تجارب اليونان وإيطاليا إلى أن النمو الاقتصادي بحد ذاته ليس كافيا لتفسير اختفاء الزبائنية. إذ يمكن ضم لاعبين أجتاعبين جدد إلى الأنظمة الزبائنية الراسخة وإغرائهم باللعب وفق قواعدها. وهذا دليل إضافي يثبت أن التطور السياسي لا يتبع سبيلا وأحدا، وأن مكونات التطور المختلفة يمكن أن تسلك مسارات متوازية لكنها تتشعب متباعدة في نهاية المطاف.
(*) حقبة من النشاط في الولايات المتحدة في عهد الرؤساء روزفلت وتاقت رولون(مين تسعينيات
القرن التاسع عشر ودخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى)استهدف إجراء إصلاحات اجتماعية وسياسية واقتصادية، ركزت الحركة التقدمية جهدها على استعمال الفساد من الحكومة ومن المركبات السياسية الحزبية ومشغليها