كشفت أزمة اليورو المستمرة عن صدع عميق بين أوربا الشمالية والجنوبية. إذ لا توجد «أزمة شاملة لدولة الرفاه والرعاية الاجتماعية في أوروبا: تمتلك المانيا، وهولنداء واسكندنافية قطاعات عامة ضخمة عند المقارنة مثلا بالولايات المتحدة أو اليابان، ومع ذلك تمكنت هذه البلدان من النجاة من أزمة وول سترت (2008 - 2009) بطريقة أفضل من الولايات المتحدة. لقد نظمت المانيا على وجه الخصوص تمويلاتها العامة في العقد الأول من القرن وفقا لأجندة غيرهارد شرودر عام 2010، حيث قلصت تكاليف العمل وسيطرت على المستويات الإجمالية للدين. بينما اختلفت البلدان التي واجهت المصاعب اليونان، إيطاليا، البرتغال، آيرلندا، إسبانيا - إحداها عن الأخرى، إذ تتحمل آيرلندا وإسبانيا مسؤولية مالية نسبية عن التمهيد للأزمة؛ حيث لم تبدأ المشكلة إلا مع انفجار فقاعات العقارات، ما أدى إلى إفلاس المصارف والحاجة اللاحقة إلى فرض ضرائب باهظة للنجاة، الأمر الذي سبب بدوره حالة من الفوضى العارمة في التمويلات العامة. أما المشكلات الناجمة عن المستويات المرتفعة إلى حد لا يطاق من الدين العام جراء الإنفاق المفرط فقد تفجرت أولا في اليونان وإيطاليا.
دفعت الفوارق بين أوربا الشمالية والجنوبية مختلف المراقبين إلى تصوير المشكلة بوصفها ثقافية، حيث غايروا بين سكان شال اوربا، البروتستانت المتميزين بالجد والمثابرة والانضباط (المانيا، هولنداء اسكندنافيا) ، وسكان الجنوب، الكاثوليك الأرثوذكس، الكسالى المبذرين، ومع أن الثقافة لعبت بالفعل دورا في الأزمة، كما سابين لاحقا، إلا أن هذه التمايزات الدينية الواسعة لم تمثل لب القضية: إذ عانت بريطانيا وآيسلندا البروتستانتيتان أزمات مصرفية كبيرة وعجزة في الميزانية العامة ايضا، بينها منعت إسبانيا الكاثوليكية بفائض فعلي في الميزانية قبل انفجار الفقاعة العقارية في أواخر العقد الأول من القرن. الانقسام الحقيقي ليس ثقافية، على الأقل إذا حددنا الثقافة بالتراث الديني؛ بل بين أوربا الزبائنية وغير الزبائنية.
تكمن في جذور مشکلات اليونان وإيطاليا حقيقة أن البلدين استخدما التوظيف في القطاع العام مصدرا للمحسوبية السياسية، ما أدى إلى خدمات عامة متضخمة ومنهلة وتفتقد الكفاءة، فضلا عن عجز متفاقم في الميزانية. بينما ورثت المانيا من