لكن توجد أشكال اقتصادية أشد وضوحا وظهورة لإعادة التوزيع تمارسها الحكومات الحديثة، أكثرها شيوعا مجمعات التأمين الإلزامي، حيث تجبر الحكومة المجتمع على الإسهام في خطط الفيان، التي تعيد توزيع الدخل من الشباب إلى الشيوخ في حالة الضمان الاجتماعي، ومن الأصحاء إلى المرضى في حالة الضمان الصحي. استنكر كثير من الأميركيين المحافظين قانون الرعاية ميسورة التكلفة الذي قدمه الرئيس أوباما عام 2010 بوصفه أشتراكية»، لكن الحقيقة أن الولايات المتحدة كانت آنذاك الوحيدة بين البلدان الديمقراطية الغنية في العالم التي لا تملك شكلا من أشكال الضمان الصحي الشامل والإلزامي.
أظهر المنظرون الليبراليون، من جون لوك إلى فريدريك هايك، شكوكهم دوم بالتوزيع الذي توكل به الحكومة، لأنه هدد بمكافأة الكسالى والعاجزين على حساب المجدين والمجتهدين. وفي الحقيقة، تجلب برامج إعادة التوزيع كلها ما يدعوه الاقتصاديون «أخطر الأخلاقي» : عبر مكافأة الناس اعتيادة على مستوى دخلهم بدلا من جهدهم الفردي، تثبط الدولة العزيمة و تحبط دافع العمل، تلك كانت الحالة السائدة طبعا في البلدان الشيوعية السابقة مثل الاتحاد السوفييتي، حيث كانت الحكومة تتظاهر بدفع أجورنا ونتظاهر نحن بالعمل».
من ناحية أخرى، من الصعب أخلاقيا تبرير منهج الدولة التي تتبنى الحد الأدنى من سياسة التدخل ولا توفر شبكة أمان من أي نوع لمواطنيها الأقل حظة. لن ينجح مثل هذا الأسلوب إلا في مجتمع يستوي فيه مجال التنافس إلى حد الكمال، ولا تلعب فيه عوامل مثل النسب أو المنبت أو الصدقة المجردة أي دور في تحديد حظوظ الناس في الحياة، والثروة، والفرص المتاحة، لكن مثل هذا المجتمع لم يوجد قط في الماضي، ولا يوجد اليوم. إذا، السؤال الحقيقي الذي يواجه معظم الحكومات ليس هل تعيد التوزيع، بل إلى أي مستوى، وكيف تؤدي المهمة بطرائق تقلص الخطر الأخلاقي إلى حدوده القصوى?