واللاشخصائية، والمنظمة تنظي جيدا، والمستقلة ذاتية. ليست المشكلات العديدة التي تعانيها البلدان النامية سوى منتجات جانبية لحقيقة أنها ضعيفة وتفتقد الكفاءة والفاعلية. صحيح أن دولا عديدة تبدو قوية من ناحية السلطة الاستبدادية، مثل كبت الصحفيين، أو قمع السياسيين المعارضين، أو قهر الجماعات الإثنية المنافسة، حسب وصف عالم الاجتماع مايکل مان، لكنها عاجزة من حيث المقدرة على ممارسة ما يدعوه سلطة البنية التحتية، أي القدرة على وضع القوانين وتطبيقها بطريقة شرعية، أو إيتاء المنافع العمومية الضرورية مثل الأمان، والصحة، والتعليم (10) الإخفاقات العديدة المنسوبة إلى الديمقراطية هي في الحقيقة إخفاقات إدارة الدولة العاجزة عن الوفاء بوعودها التي قطعها السياسيون المنتخبون حديثا بطريقة ديمقراطية للناخبين الذين يريدون حكومة رشيدة فضلا عن حقوقهم السياسية.
لكن الدول الضعيفة ليست حكرا على البلدان النامية الفقيرة، إذ لم تطور اليونان أو إيطاليا إدارات بيروقراطية على مستوى مرتفع من الكفاءة والفاعلية؛ وفي كل منها غائصة في وحل الزبائنية والفساد السافر. لقد أسهمت هذه المشكلات إسهامة مباشرة في المحن والكوارث الناجمة عن أزمة اليورو الراهنة. من جانبها، كانت الولايات المتحدة واحدة من أواخر البلدان المتقدمة التي تتبنى إدارة حديثة للدولة، بعد أن عرفت في القرن التاسع عشر بأنها أدولة المحاكم والأحزاب حيث لعبت البيروقراطية دورا هامشيا جدا. وعلى الرغم من النمو الهائل للدولة الإدارية في القرن العشرين، ما تزال السمات المميزة باقية في جوانب عديدة: المحاكم والأحزاب مستمرة في لعب أدوار أكبر من حجمها في السياسة الأميركية، أدوار تؤديها بيروقراطيات مهنية ومحترفة في البلدان الأخرى. ولا ريب في أن كثيرا من حالات العجز وانعدام الكفاءة في الأداء الحكومي الأميركي تنبع من هذا المصدر.
لم ينهمك كثير من الباحثين في التفكير بالدول والاستخدام الفعال لسلطة الدولة على مدى الجيل السابق خصوصا. فقد ركزت تجربة القرن العشرين، بتاريخه الحاشد بالأنظمة الشمولية (التوتاليتارية) المجنونة، من روسيا الستالينية إلى ألمانيا الهتلرية إلى الصين الماوية، انتباه معظم العالم على سوء استخدام سلطة الدولة المتغطرسة.