فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 71

وهو يعطيك حين هبَّتْ شمالًا ... بردَ ماءٍ منها ورقةَ جو

واستعار العراءُ منه لباسًا ... سوف يمنى من الرياح بنضو

وكأنَّ الكافور موضعُ ترب ... وكأنَّ الجمانَ موضع مرو

عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خير صيفكم أشدُّهُ حرًّا، وخير شتائكم أشدُّه بردًا، وإن الملائكة لتشتكي الشتاء رحمةً لبني آدم"

وعن إسحاق الخطيب قال:"الرأي في الشتاء أجمع، والوعظ في القلوب أنجع"

قيل لأعرابي وقد هجم القرّ: ما أعددتَ لهذا الفصل الضارب، بجرانه، الجاري إلى أوانه ملء عنانه؟ قال:"أعددتُ له عُرْيَ المتنين، وحفاء القدمين، وقلقلة الفكّين، ودمعَ العينين، وسيلانَ المنخرين، مع شدّة الرعدة، وقرفصاء القعدة، وذرب المعدة، وكسوفِ البال، وفرطِ البلبال، وقلَّةِ المال، وكثرةِ العيال".

وعن ابن عباس قال:"إنَّ الملائكة لتفرحُ بذهاب الشتاء رحمةً للمساكين".

دخل أعرابيٌّ خراسان فلحقه الشتاء فأقام بسمرقند، فلما طاب الزمان عاد إلى وطنه، وكان ينزل البصرة، فسأله أمير البصرة عن خراسان فقال: جنّة في الصيف وجهنم في الشتاء؛ فقال له: صف لي الشتاء بها، فقال: تهبُّ الرياح، وتضجر الأرواح، وتدوم الغيوم، وتكثر الغموم، وتسقط الثلوج ويقلُّ الخروج، وتغور الأنهار، وتجفُّ الأشجار، فالشمس مريضة، والعين غضيضة، والوجوه عابسة، والأغصان يابسة، والمياه جامدة، والأرض هامدة، يفترشون اللبود، ويلبسون الجلود، نيرانهم تثور، ومراجلهم تفور، لحاهم صُفْرٌ من النيران، وثيابهم سود من الدخان، والمواشي من البرد كالفراش المبثوث، والجبال من الثلج كالعهن المنفوش، فأما من كثرت نيرانه، وَثَقُلَ ميزانه، فهو في عيشة راضية، وأمّا من قلّت نيرانه، وخفَّ ميزانه، فأمّه هاوية، وما أدراك ما هيه، نارٌ حامية، فقال له الأمير: ما تركت عذابًا في الاخرة إلاّ وصفته لنا في الدنيا.

وكان عمر رضي الله عنه إذا حضر الشتاء تعاهد الناس، وكتب إليهم بالوصيّة، إن الشتاء قد حضر وهو عدوّ، فتأهبوا له أهبةً من الصوف والجباب والجوارب والخفاف المنعلة، واتّخذوا الصوف شعارًا، والقطن دثارًا، فإن البرد عدوّ سريعٌ دخوله، بعيد خروجه.

قال كعب الأحبار: أوحى الله عزّ وجلّ إلى داود عليه السلام أن تأهبْ لعدوّ وقد أظلَّكَ، قال: يا ربِّ من عدوي وليس يحضرني، قال: بلى، الشتاء.

قال الأصمعي: كانت العرب تسمّي الشتاء الفاضح.

وقيل لامرأة منهم: أيّما أشدّ عليك القيظ أم القرّ؟ قالت: يا سبحان الله من جعل البؤس كالأذى؟! فجعلتِ الشتاء بؤسًا والقيظَ أذىً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت