الصفحة 59 من 84

الدعوة إلى مخاطبة الناس على قدر عقولهم

من الخطأ بمكان أن نتصور بأن جميع المؤتمرين لا يتكلمون بروح علمية دقيقة، فمما لاشك فيه أن بعضهم قد اكتسب خبرات جديرة لأن تجعله يعرف كيف يطرح طروحات منطقية، وإن مخاطبة الناس على قدر عقولهم وبحسب اهتماماتهم خلق نبيل دعانا إليه الإسلام، ولقد تنبه بعضهم إلى هذا الأسلوب داعيًا إلى انتهاجه على أمل أن يكون أسلوبًا مفيدًا بعد أن فشلت كل الأساليب السابقة.

إن شارلي. ر. تيبر في موضوعه (الظرفية والتحول والتأصيل) تحلى بكثير من هذه الروح، إذ تلمس لديه طرحًا لأمور تنصيرية لكنه طرح يدل على فهم وحصافة.

إن شارلي في موضوعه قد أشار إلى جملة من الأمور التي يدعو فيها المنصرين لأن يدعو إلى النصرانية من خلال مناقشة الأمور النصرانية وإزالة الإبهام المتعلق بها مما يجعل الخطاب بين المنصر من ناحية وبين المدعو إلى التنصير من ناحية خطابًا متفهمًا لجميع القضايا المثارة في ذهن هذا المدعو، وإن المنصر إذا استطاع أن يجيب عن هذه التساؤلات عندها يصبح من السهل تقريب هذا المدعو إلى التنصير، حيث تزول المسافات التي تفصله وتحجبه عن النصرانية بكل ما فيها من تخليط وانحرافات.

أولًا: يبين شارلي في الصفحة 209 - 210 كيف ينبغي على المنصر أن يخاطب المدعو إلى النصرانية من خلال اهتماماته التي تشغل باله وتقلق نفسه، فهو مدخل لطيف يغفل عنه الكثيرون إذ يقول:

(يسعى أسلوب الظرفية إلى اكتشاف المعطيات الإنجيلية التي تلائم أناسًا معينيين، وبمعنى آخر فإن الظرفية تسعى إلى الاقتداء بالمسيح الذي نجح في تقديم الإنجيل بصورة تناسب احتياجات كل إنسان والظروف المحيطة به، ومن هذه الناحية فإن الإنجيل قابل لأن يستخدم بعدة أساليب وبتعابير مختلفة، فالإنجيل مثلًا يخبر الأعمى أن يسوع قادر على أن يرد له بصره، ويبلغ المقعد أن يسوع يمكنه من المشي، وأنه يحرر البشر من الذل والفقر، والجشع وعبادة المال، إن العنصر الموحد في كل هذه التعابير هو عناية الرب لرد الضالين والمعزولين إلى الطريق التي تقودهم إلى ملكوته، وهذه العناية هي جوهر الأحداث التاريخية المتمركزة حول حياة يسوع الناصري) .

لا شك بأن هذا الجسر بين الداعية والمدعو (بشكل عام سواء أكانت الدعوة إلى النصرانية أم إلى الإسلام) ينبغي أن يكون قائمًا، وأن يهتم الداعي بهموم المدعو، وأن يبلغه بأن في إقباله على هذه الدعوة خلاصًا لكل مشكلاته وآلامه (بغض النظر هنا عن أن النصرانية تعطي آمالًا خادعة وأن الإسلام يعطي آمالًا حقيقية) ، فنحن المسلمين نقول للمدعو إن في الإسلام توفيقًا وبركة وإن الله سيعينك على الخلاص من همومك وقضاياك، فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2] وقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت