في كثير من الأحيان عن التأثير على عامة الناس وسوادهم الأعظم.
والملاحظ كذلك أن هؤلاء العوام ينجذبون بشكل فعال وقوي إلى التأثيرات الروحية ذات العلاقة القائمة على مخاطبة المشاعر والقلوب دون الأفهام والعقول. فإن شيخًا واحدًا على دراية لا بأس بها بالشريعة قد يستطيع جذب الآلاف من الذين يعجز عن جذبهم كبير العلماء الدينيين، إذ إن هذا الشيخ يسيطر على قلوبهم، ويحاول تحريكها نحو الخير، وهذا هو الذي يفسر لنا سبب انتشار الإسلام في كثير من الشعوب عن طريق مشايخ الصوفية الذين يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على الجذب الروحي.
من نافلة القول هنا ضرورة دعم المشايخ الذين يملكون حدًا أدنى مقبولًا من المفاهيم الصحيحة عن الإسلام ومقاصده، أما أولئك الذين لا يملكون حتى ولا هذا الحد فإنهم لا يستأهلون أي دعم يذكر في هذا الصدد، لأن خطرهم سيكون أعظم من أي نفع متوقع منهم، بما يزرعونه من مفاهيم خاطئة يتحمل الإسلام ذاته نتيجتها فيما بعد، حيث تقترن أعمالهم وأفكارهم وآراؤهم بالإسلام، والإسلام بريء كل البراءة من كثير من ضلالاتهم وانحرافاتهم.
وهنا تطرأ ملاحظة هامة، وهي ضرورة بذل المساعدات الإنتاجية لهؤلاء العوام على أنها وسيلة من وسائل التأثير القوي عليهم، إذ إن هؤلاء العوام في معظمهم من الفقراء المعوزين، وإن مجرد التأثير الروحي عليهم لا يكفيهم، وإن إقامة أي مشروع قد يؤثر في نفوسهم تأثيرا يفوق مائة خطبة وعظية، ومن تلك المساعدات الإنتاجية حفر بئر يستقون منها الماء، أو رصف شارع، أو إنارة قرية، أو تقديم آلة زراعية ... وما إلى ذلك.
2 -إن دلَّ هذان القولان الآنفي الذكر على شيء فإنما يدلان على إفلاس النصرانية العاجزة عن المواجهة العقلانية المنطقية، لذا فإنها تعمد إلى أساليب أشبه ما تكون بالشعوذة والدجل كطرد الشياطين وطرد الأرواح الشريرة، صحيح أن الناس بسبب حاجتهم الأولية إلى ذلك يقبلون على المنصرين باديء الأمر، لكنهم بعد أن يعوا أن ذلك شعوذة ودجل ينقلبون عليهم ويتخلون عنهم مما يعطي التنصير نتيجة عكسية.
3 -إن الإسلام يبقى الأقوى، لأنه في دعوته لا يلجأ إلى أمثال هذه الأساليب، بل يعمل على غرس القيم والمبادئ أولًا بأول، ولو أراد المسلمون أن يسلكوا هذه السبل لاستقطاب الناس لكان ذلك أسهل شيء عليهم، ولكنهم يأبون لأن الإسلام دين العقل والمنطق، ولأنهم يريدون غراسًا سليمة، ولأنهم يخططون إلى المستقبل البعيد والنظرة البعيدة، إن عملهم الدعوي الإسلامي إنما هو تجميع نوعي قبل أن يكون تجميعًا كميًا.