تختلف الأهداف التربوية بين الأمم والشعوب؛ فهناك من يسعى جاهدًا لتربية تقوم على صلاح الذاتية الفردية، وهناك من يولي الأهمية لتلاحم المجتمع، وتلاحم الوطن.
فهل هناك تعارض بين الاتجاهين؛ بين صلاح الفرد وتنشئته تنشئة المواطن الصالح أم هناك توافقٌ واختلاف؟ ولعل الأهداف تتكشف من خلال الطرح، فالفرد الصالح هو الذي يعتمد على ذاته، وهو المسؤول الأول بعد مرحلة الطفولة عن تكوين بنيته الذاتية والسلوكية، وعن صلاحه لذاته وصلاحه في التركيبة الاجتماعية، وعن تواصله الرباني، فتربية الأولى تهدف إلى تكون ذهني تحمله المسئولية الذاتية والمسؤوليات الأخرى، وتصحب بممارسة عملية بما يتلاءم مع قدراته، والتربية التي هاجسها الفرد الصالح تغرس فيه بنية عقلية قابلة للتأمل والحوار والجدل، ومن ثم الإقناع، ثم التحول إلى التغيير والتطور، فله الاختيار المبني على المسئولية الذاتية، فهو يقود ذاته بقدراته التي توازن بين العقلانية والرغبات النفسية، وتبني فيه القدرة على التفاعل في التكوين الاجتماعي والكوني، فالفرد بنية متفاعلة، بل فاعلة ومؤثرة ببرهان وبوسيلة سلوكية متوازنة تنمي علاقة البذل والعطاء، وتثبت أواصر الحب مع الآخرين، فتنغرس علاقة الحب معهم، ويتجسد التوازن، فالحب يقوم على تبادل المنفعة، ولم نسمع بحب وجداني قام من جانب واحد إلا الشاذ الذي لا حكم له، فينميه التبادل السلوكي، والتبادل المنفعي.
إذن فالفرد الصالح يحب، ويملك عناصر الجذب للحب، ليس لجنسه البشري فحسب، بل حتى للحيوان، ويتجاوز ذلك للجمادات الأخرى، وللطبيعة بأسرها، وللآلة التي يعمل بها ولها، بل للمؤسسة التي ينتمي إليها، ويتواصل هذا الجو المشحون بالحب والتبادل الخيري إلى حب المجتمع والوطن.
إذن فالفرد الصالح يحمل عقلًا صالحًا، وسلوكًا صالحًا، وعملًا مبدعًا، وعلاقات شمولية، ونظرة لا تخضع للأنا، ولكن لا تلغيها، وإنما تتفاعل مع تكوينات الكون، فهو يحترم إنسانية الإنسان، ويرفق بالحيوان، ويقدر تقلبات الزمان، ويتأمل في مجريات الحياة، ويمتلك فكرًا متوازنًا بيّنًا يستشرف به المستقبل وأحداثه. كل ذلك يدفعه إلى التأمل في تدبير الكون ومصير الحياة، ويتأمل في خالق هذا الكون ومدبره، ثم يتأمل حياة الانصاف والجزاء والعقاب؛ حياة نتائج المحاسبة.
كل ذلك مدعاة للتوازن في سلوكياته وفكره وأعماله، ورغباته، ورغبات الآخرين. أما المواطن الصالح، ففيه بعض اختلاف، فلو أخذنا دلالة الموصوف والوصف لكان في ذلك تقييد وحصر، فالهدف التربوي أن يكون مواليًا للوطن، ومواليًا للمجتمع، وفي هذا خير، لكنه يغض الطرف عن مسؤولية الفرد الذاتية والتربية والعملية التي تنمي فيه الحياة العملية التي تدفعه للإنتاج والبذل والإبداع، فالمطلوب من التربية التي تحصر هدفها في تكوين المواطن الصالح تنحصر في تعاونه مع الآخرين، بل ربما يعتمد عليهم