الباب. كان يعتقد أن مهربه لم يهتدِ إليه أحد، وأنه سيتمكن من النجاة. غير أن الجند ما لبثوا أن عثروا به، وعلى وجهه الجزع الذاهل، والخوف القاتل؛ فمؤرخ البابية نفسه يقول:"إن الجزع والذهول أحدقا بالباب، ولولا ذلك لأمكنه أن يتحدى بهذا الخارق، ويدعيه معجزة كبرى أمام الحضور" [1] .
كانت هناك غاية من وراء هذه الخدعة المفتضحة هي إنقاذ الباب؛ ليحمله الاستعمار إلى حيث يجعل منه دائمًا صداعًا وحشيًا للدولة، وفتنة للشعب، بعد أن يقدمه إلى المخدوعين مرة أخرى، وقد حفت به معجزة كبرى هي أن الرصاص أبى أن يمس جسده! فهذه من دلائل القائم!!
وكان المدبرون لهذا يظنون أنه لا بد من وقوع أحد أمرين يترتب على كل منهما نجاة الباب؛ فقد يتمكن من الفرار، بعد أن يقطع الرصاص حبله، فإن لم يستطع، فسيطالب الناس بالعفو عنه؛ إذ كانت العادة المرعية - كما يقول مؤرخ البابية - هي إخلاء سبيل المتهم إذا استطاع أن ينجو من الموت!
ولكن ضل ما دبروا، واستطاع جنود آخرون تمزيق جسد الباب؛ إذ لم تستطع الرشوة أن ترعش أيديهم، وانهار قنصل الروس"وبكى أسفًا وحسرة من هول وقع هذه الكارثة"وفضحت دموعه سر المؤامرة. ثم تركت جثة الباب في خندق طعامًا للوحوش، وللجوارح. فلم يبق منها إلا ما عافت هذه طعامه.
استخدام الجثة في الفتنة: زعمت البهائية - ومعها حشد كبير من دعاوى الروس آنذاك - أن جثة الباب قد سرقت بتدبير من البهاء، دون أن تأكلها الوحوش أو تنهشها الجوارح. ثم أخفيت عند رجل مشمول بالحماية الروسية إلى أن حملت إلى فلسطين بعد أن استقرت البهائية هناك، وبنت للوهم الحقير مزارًا كبيرًا فوق جبل الكرمل. وقد نشرت البهائية هذه الفرية؛ لتشد عبيد الخرافة إلى الصنم ميتًا، كما شدوا إليه حيًا؛ وليشتروا بها عَبَدَ الباب للبهاء. فقد كان من المعتقدات السائدة في دين الشيعة أن السباع لا يمكن أن تفتك بجسد الإمام هذا ما دعا البهائيين والبابيين إلى إشاعة أن جثة الباب لم ينل منها سبع ولا جارح! وهذا هو أيضا الذي دفع بالشيعة إلى ترك جثة الباب نهبًا للوحش والطير؛ ليقولوا بعد هذا للناس:"ها قد ظهر بطلان ما يدعيه الباب ظهور الشمس" [2] .
(1) ص 454 الكواكب الدرية.
(2) انظر ص 445 المصدر السابق، وكان إعدام الباب سنة 1267 هـ - 1850 م.