أدلة هذا القول: الكتاب - السنة - المعقول:
(1) من الكتاب: قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] ؛ فهذه الآية دليلٌ على وجوب الصيام متى ثبَت دخولُ الشهر بالرؤية، فإذا ثبتَت برؤية في بلدٍ لزم الجميعَ الأخذُ بها.
ويؤخذ على هذا الاستدلال: أن الآية عامَّة، ومعناها - كما قال الطبري:"من دخل عليه شهر رمضان وهو مقيمٌ في داره، فعليه صوم الشهر كله" [1] .
(2) من السنة: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمِّي عليكم الشهر فعُدُّوا ثلاثين ) ) [2] . جاء في كشاف القناع: أن هذا خطابٌ للأمة كافَّة، فمتى ثبتَت رؤية الهلال في بلدٍ لزم جميعَ البلدان الأخذُ بهذه الرؤية [3] .
ويؤخذ على هذا الاستدلال: أن الخِطاب موجَّهٌ لأهل كل بلد، فمتى ثبتَت الرؤية في بلد لزم جميعَ مَن في البلد الصومُ، ولا يلزم جميعَ البلاد [4] .
(3) من المعقول: الشهر اسمٌ لما بين الهلالَين، وقد ثبت أنَّ هذا اليوم منه في سائر الأحكام، فيجب صيامُه بالنص والإجماع [5] ، وما دام قد ثبت أن هذا اليوم من رمضان بشهادة الثِّقات عندهم، فكذلك في كل مكان؛ إذ التفرقة تحكُّمٌ يحتاج إلى دليل، وليس ثمَّة دليلٌ يوجب التخصيص [6] .
القول الثاني:
وهو المعتمَد في المذهب المالكي، ومضمونُه أن الهلال إذا رُئي في بلد لزم الصومُ البلادَ القريبة والبعيدة، أما البلاد البعيدة جدًّا فلا يلزمهم الأخذُ بهذه الرؤية.
واستدلُّوا بما سبق من أدلة الرأي الأول، واستثنَوُا البلاد البعيدة جدًّا؛ للإجماع [7] .
(1) الطبري، جامع البيان: 2/ 146.
(2) البخاري مع الفتح 4/ 119، ومسلم بشرح النووي 7/ 193.
(3) البهوتي، كشاف القناع: 2/ 303.
(4) ابن حجر، فتح الباري: 4/ 123.
(5) ابن قدامة، المغني: 4/ 329.
(6) الدريني، الفقه الإسلامي المقارن: ص 572.
(7) ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 89.