الصفحة 30 من 42

وكان معروفًا لدى الأقدمين التفاوتُ في حركة القمر؛ بسب اختلاف مداره المركزي، وكذلك التغير في مستوى مداره، وتراجع خط العقدتين، وعوامل اضطراب حركة القمر، فكان من الطبيعي لديهم اختلافُ مطالع الشمس والقمر ومغاربهما؛ تبعًا للزمان والمكان.

ويُمكن القول - بصفة عامَّة - أنَّ الأقدمين قد توصَّلوا إلى وصف حركة القمر بشكل قريب مما هو معروفٌ الآن، وكانت نتائجُهم - في الغالب - متوافقةً مع الواقع، ولا تشذُّ عنه إلا نادرًا، وكان مشهورًا عندهم أنَّ الشهر الحقيقي هو المدَّة من الاجتماع إلى الاجتماع، فإذا وقع الاجتماعُ قبل الغروب كانت تلك الليلة من الشهر الآتي وإن لم تُمكِن الرؤية فيها، ومتى تأخر الاجتماع عن الغروب كانت هي واليومُ الذي بعدها من الشهر الماضي (وهذا هو الشهر الحقيقيُّ في اصطلاح الفلكيين) .

وقد فحص المتأخرون هذه الطرق فوجدوها في غاية الصِّحة والموافقة [1] .

وقد حكم كثيرٌ من الفقهاء - الذين لهم قدَمٌ في علم الفلك والهيئة والحساب [2] - على الطريقة الحسابية القديمة بقطعيَّة مقدِّماتها واستِنادها إلى المحسوس.

قال في العذب الزلال:"والحاصل: أن كلَّ من أدرك طرَفًا من فن الهيئة والتعديل، علم بالضرورة أنَّ حسابات الأهلة وغيرها قطعية، من غير فَرق بين مسلم وأوربِّي ويهودي وغيرهم، حتى من أنكر ذلك يعدُّ من أجهل الجهال عند سائر الأمم" [3] .

الطريقة الحسابية الحديثة:

بدأَت الطريقة الحديثة من حيث انتهَت سابقتها، فاستفادت من أرصادها ونتائجها وجداولها، ثم طوَّرَت أجهزتها بدقة فائقة وسرعة مذهِلة، واعتمدَت على القوانين العلميَّة التي تصف حركة القمر، وتربط بين سرعته والمسافة التي يقطعها، ومدى تأثير قوى التجاذب بين الكواكب، وقوى التنافر (الطَّرد المركزي) الناجمة عن حركتها الدورانية المركبة، وصياغة كلِّ ذلك في قوالبَ رياضيَّة بمساعدة قوانين الميكانيكا السماويَّة، مما كان له كبير الأثر على علم

(1) محمد بن عبدالوهاب المراكشي، العذب الزلال، ص 468 نقلًا عن ابن البناء في المنهاج، ومثله في ص 749.

(2) كالقرافي المالكي، والسبكي الشافعي، والمطيعي الحنفي.

(3) المراكشي، العذب الزلال، ص 469.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت