الصفحة 13 من 42

عن الشافعي، وإليه ذهب القاضي أبو الطيب، والروياني وقال: إنه ظاهر المذهب، واختاره جميع أصحابنا. وهو ما رواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك، ويمكن أن نقول: إنه رأي المالكية، بعد أن نقَلنا عدم ثبوت ما ادَّعَوه من الإجماع على عدم لحوق رؤية الهلال ما بَعُد من البلاد، كالأندلس من خراسان.

والاتجاه الآخر: يَعتد باختلاف المطالع، فلا يلتزم أهل البلد الذي لم ير الهلال برؤية غيرهم، إلا إذا كان بين البلدين تقاربٌ، حدَّده البعض بحسب مطالع الشمس والقمر، وحدَّده البعض الآخر بحسب الأقاليم، ورأى بعضُهم تحديده بمسافة القَصر.

وهذا الاتجاه يمثِّل قول جمهور الشافعية، وهو قولٌ عند الحنابلة، وأخَذ به بعض الحنفية وبعض المالكية، ويمكن أن نضمَّ إليه ما نُقل عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق.

وبِناء على ذلك نقول: إن مسألة اعتبار اختلاف المطالع أو عدم اعتباره من المسائل الاجتهادية التي يَسوغ الخلاف فيها، ولا يرجِّح الدليلُ أحد الاتجاهين على الآخر؛ لتقارُب الأدلة.

ومع ذلك فإني أميل إلى الاتجاه الذي يَعتبر اختلاف المطالع؛ لأنه يضمُّ ابن عباس - حبر الأمة وترجمان القرآن - وعكرمةَ والقاسم وسالمًا وإسحاق، وهو قول جمهور الشافعية، وقولٌ في المذهب الحنبلي، وبه قال بعض الحنفية - منهم الزِّيلعي - وبعض المالكية - منهم ابن عبدالبر - وهذا هو المتبادر إلى الفَهم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته، فإن غمِّي عليكم الشهر فعدُّوا ثلاثين ) )؛ ذلك أن الهلال لا يَظهر - في نفس الوقت - لكل أهل الأرض، ولا يحجبه الغيم عن كل أهل الأرض، فتكون لكل بلد رؤيتُه، وفق الضوابط الآتية [1] :

(1) أن الشمس والقمر وسائر الكواكب إذا طلعَت على بلد واقع على أحد خطوط الطول - ممتدٍّ من الشمال إلى الجنوب - كانت مُشرقة على جميع البلدان الواقعة على هذا الخط.

(2) كل البلاد الواقعة غربي هذا الخط يكون الهلال ثابتًا عندها - مهما اختلفَت المطالع - وكلما كانت البلاد أشدَّ بُعدًا من جهة الغرب كان الهلال أظهر.

(1) أحمد الفريح، أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها، غير منشور: ص 179 - 180، نقلًا عن رسالة الهلال لطنطاوي جوهري: ص 38 - 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت