قال الإمام النووي رحمه الله:"فإن قيل:"ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بالزيادة في الأجل لأنه مفروغ منه، وندبه إلى الدعاء بالاستعاذة من العذاب، مع أنه مفروغ منه أيضًا كالأجل؟ فالجواب: أن الجميع مفروغ منه، لكن الدعاء بالنجاة من عذاب النار ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة، وقد أمر الشرع بالعبادات، فقيل: أفلا نتكل على كتابنا وما سبق لنا من القدر؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خُلق له، وأما الدعاء بطول العمر فليس عبادة، وكما لا يحسن ترك الصلاة والصوم والذكر إتكالًا على القدر فكذا الدعاء بالنجاة من النار ونحوه. والله أعلم [1] .
وأقول: من المعلوم أن الأعمال سبب في دخول الجنة أو النار، فما كان منها صالحًا ابتغي به وجه الله كان سببًا في دخول الجنة، وما كان منها كفرًا، أو بدعًا، أو كبائر، كان سببًا في دخول النار، فيخلد في النار كل من مات على الكفر، أو الشرك، أو النفاق الاعتقادي، ويخرج منها الموحدين، ومن تأمل قوله صلى الله عليه وسلم:"حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" [2] . تبين له ذلك. ومن المعلوم أيضًا أن سؤال العباد لربهم النجاة من عذاب النار، وعذاب القبر دليل على إشفاقهم من عذاب الله، تعظيمًا لمقام الله عندهم مع قيامهم بأعمال أهل الإيمان كما قال تعالى في سورة"المعارج"بعد أن ذكرهم وامتدحهم بصفاتهم وأعمالهم:"وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ" {المعارج: 27} وكما معلوم لنا أيضًا أن هذا يكون سببًا في أمنهم يوم القيامة من عذاب الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن ربه تبارك وتعالى:"وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي، لاَ أَجْمَعُ لِعَبْدِي أَمْنَيْنِ وَلاَ خَوْفَيْنِ، إِنْ هُوَ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا، أَخَفْتُهُ يَوْمَ أَجْمَعُ عِبَادِي، وَإِنْ هُوَ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ أَجْمَعُ عِبَادِي". [3] ، وأيضًا يأتي العبد المسلم الذي كان يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، فتحاج الجنة والنار عنه يوم القيامة كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم::"مَنْ سَأَلَ اللهَ الْجَنَّةَ ثَلاَثَ"
(1) "النووي شرح صحيح مسلم".
(2) مسلم (2822) وأحمد، والترمذي (2559) ، عن أنس، وأحمد في (8931) عن أبي هريرة، انظر"صحيح الجامع (3147) ."
(3) حسن:"رواه أبو نعيم في"الحلية"عن شداد بن أوس رضي الله عنه، انظر"صحيح الجامع" (4332) "