8 -العلم مقدم على العبادة:
والعلم مقدم على العبادة، فإنَّ فضلا في علم خير من فضل في عبادة، ومن سار في درب العلم سهل عليه طريق الجنة.
أخرج البيهقي في سننه عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله أوحى إليَّ: أنه من سلك مسلكا في طلب العلم سهلت له طريق الجنة ومن سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة و فضل في علم خير من فضل في عبادة و ملاك الدين الورع ) ) [1]
9 -العلم - أيها الأخوة - سبب للنجاة؛ فإن أهل العلم أُمناء الله على وحيه. ولذلك قال الله - جل وعلا: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الأنعام: الآية 88] {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [سورة الأنعام: الآية 90] . فهذه الآية في أنبياء الله ورسله، ومن حذا حذوهم، واقتفى سنتهم، وأخذ من حياضهم، وأخذ من سنتهم. ولذا جاء في بعض الآثار:"أن العالم أمين الله في أرضه".
فدرجة أهل العلم عالية، فهم في أنفسهم خاشعون لله، مخبتون له، متضرعون. ولذلك يقول الله جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [سورة الإسراء: الآية 107] . وأهل العلم هم الذين يكون بهم الانتفاع، ويكون بهم النجاة، ويكون بهم الخير، إذا ادلهمت المدلهمات، ونزلت المعضلات، وتوالت المصابات، فالناس يتخبطون، وأولو العلم - بإذن الله جل وعلا - ناطقون بكتاب الله.
يقول الله سبحانه: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [سورة النساء: الآية 83] . نقل أهل التفسير - كما سمعنا من الشيخ - أن {أُوْلِي الأَمْرِ} هم أولو العقل، وأولو الفقه في الدين.
وبهلاك العلماء يهلك الناس، كما سمعنا قول سعيد بن جبير، قيل: ما علامة هلاك الناس؟
قال:"هلاك علمائهم". وهلاك العلماء كما أنه يكون بموتهم، فإنه يكون أيضًا بتسلط المتسلطين عليهم؛ بالوقيعة بينهم، والتنفير منهم، والخوض في أعراضهم، والتشكيك في نياتهم، وإرادة إبعاد الناس عنهم، وصرف القلوب إلى الأهواء وإلى البدع، وإلى الأقوال التي لا سند لها من كتاب الله، ولا من سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
كيف لا، وقد قال أهل التفسير في أن موت العلماء هو المراد بقول الله جل وعلا: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [سورة الرعد: الآية 41] . جاء عن ابن عباس - أو غيره - أنه موت العلماء.
(1) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5/ 53، رقم 5751)