*وهذا نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله صنع منبر المسجد الأقصى، وذلك قبل تحرير القدس بعشرين عامًا، حيث كان له مطلب سام، وهمة عالية تمثلت في تحرير المسجد الأقصى من قبضة النصارى، برغم أن الأمة الإسلامية كانت مفككة آنذاك والخلافات شديدة بين قيادات المسلمين هيأ القوة اللازمة للتحرير وبنى مصانع للسلاح، ووحد أقطار المسلمين من شمال أفريقيا إلى مصر واليمن وبلاد الشام وشمال العراق، وجعل الناس يعيشون مرحلة التحرير وكأنها أمامهم، وما بناء المنبر إلا نوعًا من هذه التهيئة وعندما توفي نور الدين جاء تلميذه من بعده صلاح الدين الأيوبي فأتم التحرير، ووضع منبر نور الدين في مكانه في المسجد الأقصى.
*وكان كافور الإخشيدي وصاحبه عبدين أسودين، فجيء بهما إلى قطائع ابن طولون أمير الديار المصرية وقتها ليباعا في أسواق العبيد، جلس كافور وصاحبه يتحدثان، وبدأ كل منهما يسأل الآخر عن أمنيته وطموحه.
قال صاحبه: أتمنى أن أباع لطباخ، لآكل ما أشاء وأشبع بعد جوع.
وقال كافور: أما أنا فأتمنى أن أملك مصر كلها، لأحكم وأنهى، وآمر فأطاع.
وبعد أيام بيع صاحبه لطباخ، وبيع كافور لأحد قادة مصر وما هي إلا أشهر حتى رأى القائد المصري من كافور كفاءة وقوة، فقربه منه، ولما مات مولى كافور قام هو مقامه، واشتهر بذكائه وكمال فطنته حتى صار رأس القواد، وما زال يجد ويجتهد حتى ملك مصر والشام والحرمين.
بعدها مر كافور يومًا بصاحبه فرآه عند الطباخ يعمل في جد وقد بدا بحالة سيئة، التفت كافور إلى أتباعه وقال:"لقد قعدت بهذا همته فكان ما ترون، وطارت بي همتي فصرت كما ترون، ولو جمعتني وإياه همة واحدة لجمعنا مصير واحد".
تحتاج الأمم جميعها إلى أصحاب الهمم والطموح، فهم صناع الحياة وقيادات المستقبل في أي أمة من الأمم في القديم والحديث.
وحتى في موازين الله تعالى في الدنيا والآخرة، فضَّل الله أصحاب الهمم العالية والطموح والمثابرة على غيرهم وإن كانوا مسلمين من أصحاب الحسنى، قال تعالى: لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" (النساء: 95) ."