الصفحة 9 من 15

فإذا رجعنا إلى التّوظيف القرآني والنّبوي لهذين اللفظين في قصّة يأجوجَ ومأجوجَ ننظر في سياقهما، ومع من استعملا - وقد تمّ لنا تحقيق القول فيما بينهما من فروقٍ- فإنّا نرى تواطؤًا واتفاقًا يقوّي ما كشفت عنه الدّراسة، يهدي إلى ذلك أنّ القرآن الكريم جاء مع ذي القرنين في آيتي الكهف بلفظ الرّدم لا السّدّ، وأنّه أعقبَ آية لفظ الرّدم بمعانٍ تدور حول طريقة البناء ومكوناته: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} فذكر ما بُنيَ منه السّدّ: (زُبَرُ الحديد، النحاسُ المذابُ) ، وذكر طريقة البناء: (المساواةُ بين الصّدفين، صهرُ الحديد بالنّار.) ولا تفسير لهذا التّوظيف والتّعقيب إلا أنَّ ذا القرنين كان مهمومًا في إحكام الإغلاق، ومستغرِقًا في الطّريقة التي تمَكِّن من ذلك، فانتهى إلى أنَّ الرّدم سيكون على طبقاتٍ، ويتشكّل من كذا وكذا، فكان من المناسب لكلّ ذلك إيثارُ الرّدم على السّدِّ.

وأمّا الذين سألوا ذا القرنين أن يمنع عنهم أذى يأجوجَ ومأجوجَ فعدل معهم القرآنُ عن لفظ الرّدم إلى لفظ السّدّ؛ وذلك أنّ فكرة الطّبقات، وكيف يكون البنيان؟ وممّ يكون؟ لم تكن تعنيهم في شيءٍ، ولا خطرت على بالهم، وإنّما الذي كان يعنيهم، وكانوا به مهتمّين أن يغلقوا الباب الذي يَلِجُ منه شرُّ يأجوجّ ومأجوج إغلاقًا تامًّا، فناسب هذه الحال أن يُعبّر بلفظ السّدّ، لا بلفظ الرّدم.

وهذا التّعليل الدلاليّ الذي فسّرنا به الاختلاف اللّفظيّ في آيتي الكهف يصلح كلّ الصّلاح لتفسير إيثار آية يس لفظَ السّدّ على لفظ الرّدم؛ وذلك أنّ الغرض من آية يس يتحقق بذكر لفظٍ يدلُّ على الحجز بين الشّيئين على نحْوٍ محكَمٍ متين، وهذا ما ينهض به لفظ السّدّ، وأمّا جعلُ الشّيء على الشَّيء -كما في الرَّدم- ومِمَّ يكون؟ فغير مرادٍ، ولا يحسنُ صرفُ الذَّهن إليه في مثل هذه الحال.

فإذا انتقلنا إلى التّوظيف النّبويِّ للفظي الرّدم والسّدّ لحظنا أنّ لفظ السّدّ جاء في سياق الإخبار عن عمل يأجوجَ ومأجوجَ المستمرِّ لفتح السَّدِّ، يقول النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا. فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ كَأَشَدِّ مَا كَانَ ... ) )ولحظنا أنّ الرّدم جاء في سياق الإخبار عن الشّر الذي اقترب من العرب. يقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت