على المراد من آية يس، ولآثرَ لفظَ الرّدم على السّدّ؛ إذ ذلك مقتضى البلاغة والفصاحة والبراعة.
يقول الزَّمخشري معلّقًا على التّمثيل في آية يس: (( مثّل تصميمهم على الكفر، وأنّه لا سبيلَ إلى ارتوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المُقْمَحِين: في أنّهم لا يلتفتون إلى الحقّ، ولا يَعْطِفُون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدّين لا يبصرون ما قدَّامهم، ولا ما خلفَهم في أن لا تأمّل لهم، ولا تبصُّرَ، وأنّهم متعامون عن النّظر في آيات الله. ) )
ثانيًا- استعمالُ القرآن لفظ السّدّين مثنى السَّدِّ في آية الكهف مرادًا به الجبلين، والجبالُ حواجزُ ربّانيّةٌ طبيعيّةٌ هي المنتهى في الحجز والفصل والإغلاق.
ولكن هل عدمُ صحّة هذا الفرق معناه التّرادفُ بين لفظي الرّدم والسّدّ؟ والجوابُ عن ذلك: لا؛ فليس التّرادف بلازمٍ عن عدم صحّة الفرق، فقد يكون ثمّة فرقٌ بين اللّفظين، ولكنّه ثاوٍ في مطاوي الحروف، وبين معاني الكلمات ينتظر من يكشف عنه، ويهدي إليه.
وإذا كان الأمرُ على هذا النّحو فأيُّ فرقٍ يمكن أن يُكشف عنه، ويُهتدى إليه؟ والذي يظهر لي من بعد التّدقيق في معاني لفظي الرّدم والسّدّ أنّهما يلتقيان في معنى، ويفترقان في اثنين: يلتقيان في معنى الإغلاق وقوّته من غير تفاوتٍ ولا تفاضلٍ، يقرّر ذلك استعمال القرآن لفظِ السّدّ دالًّا على الغايةِ في الحجز، والمنتهى في الإغلاق في آيتي الكهف ويس، ويفترقان في معنيين اثنين:
أوّلًا: إنّ السّدّ أعمُّ من الرّدم، فلا يُطلق لفظُ الرّدم إلّا على ما جُعل بعضُه فوق بعضٍ، وأمّا السّدّ فيُطلقُ على الرّدم، وعلى ما ليس بردمٍ، وذلك حين يكون السّدُّ طبقةً واحدةً، وليس طبقاتٍ بعضُها فوقَ بعضٍ. وبذلك يمكننا أن نقول: إنَّ كلَّ ردمٍ سدٌ، وليس كلُّ سدٍّ ردمًا.
ثانيًا: إنَّ لفظ السّدّ حين يُطلقُ ينصرفُ الذّهن إلى معنى إغلاق المفتوح إغلاقا تامًّا كاملًا، لكنْ من غيرِ التّفكيرِ في الطّريق الموصلة إلى ذلك؛ إذ السّدّ (( إِغلاق الخَلَل، ِ ورَدْمُ الثَّلْمِ. سَدَّه يَسُدُّه سَدًّا، فانسدّ واستدّ. ) )وأمّا الرّدمُ فينصرفُ الذهنُ إلى معنى إحكام الإغلاق: كيف يكونُ؟ وممَّ يكونُ؟ لأنّ الرّدم كما سبقَ (( ما جُعِلَ بعضُه على بعْضٍ. ) )