الصفحة 7 من 15

وبمثل ذلك قال صاحب البحر المحيط: (( السّدّ: الحاجزُ والحائل بين الشيئين. ويقال بالضّم وبالفتح. الرّدم: السّدّ. وقيل: الرّدم أكبر من السّدّ لأنّ الرّدم ما جُعِلَ بعضُه على بعضٍ ... ) )

وأمّا كتب شروح الحديث التي وقفت عليها فلم تعرض للفرق بين لفظي الرّدم والسّدّ، واكتفت بالمرادفة بينهما نحو قول العينيّ: (( من رَدْم يأجوجَ ومأجوجَ. الرّدمُ: السّدّ الذي بيننا وبينهم. ) )أو كقول الطّيبي: (( ردَمْت الثُّلمَةَ رَدْمًا إذا سددتها. والاسم والمصدر فيه سواءٌ. ) )

ومن العرضِ السّابق لأقوال اللّغويين والمفسرين وشرّاح الأحاديثِ يتّضح لنا أمران:

1 -اختلافُ العلماء في النّظر إلى موضوع التّرادف وعدمِه بين لفظي الرّدم والسّدّ؛ فعُظْم علماء اللغة لم يفرّقوا بين اللفظين، ومن فرّق منهم إمّا رجّح التّرادف، وإمّا لم يقطع بوجوده، وأمّا شرّاح الحديث الذين وقفت على شروحهم فذهبوا إلى المرادفة بين اللّفظين، وذهب جُلُّ المفسّرين إلى القول بوجود فرقٍ بين اللَّفظين، وقلّة ضعّفت وجود ذلك الفرق.

2 -إنّ الذين قالوا بالتّرادف اعتمدوا في قولهم على تناوب اللّفظين في الدِّلالة على مسمّى واحدٍ، وأمّا الذين قالوا بعدم التّرادف فاستنبطوا الفرق من طبيعة الرّدم وحقيقته.

ولا شكَّ أنّ اختلافَ العلماء على ذلك النّحو يجعلُ مسألةَ التّرادف وعدمه بين لفظي الرّدم والسّدّ معلّقةً، ويعيدُ المسألة جَذَعَةً، ويثيرُ السؤالَ الذي طرحْناه من قبلُ، ولكنْ بصيغةٍ أخرى، وهي: هل القول بالتّرادف هو الصّوابُ أو عدمُه؟ أو ما الرّاجحُ من القولين؟ وما المرجوح؟ وإذا كان الصّواب مع من قال بعدم التّرادف فهل ما ذكروه من فرقٍ صحيحٌ ودقيقٌ؟

وحتّى نجيب عن هذه الأسئلة إجابةً وافيةً، ونظفرَ بما تقنع به النّفس يجب أن نفحص أوّلًا ذلك الفرق الذي ذكروه. والذي يظهر لي من بعد التّدقيق في توظيف القرآن الكريم لهذين اللّفظين أنّ ما ذهب إليه القائلون من أنّ الرّدم أحكمُ من السّدّ وأمنعُ، متكِّئين في ذلك على أنّ الرّدم ما جُعِلَ بعضُه فوق بعضٍ، يردُّه أمران اثنانِ:

أوّلًا- استعمالُ القرآن لفظَ السّدّ في آية يس: في قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} والسّدُّ في هذه الآية يدلّ على الغاية في قوّة الإغلاق والمنتهى في الإحكام، ولو لم يكن كذلك لمَا مثَّل به القرآن للدِّلالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت