ثُلُثَه، أو هو أكثَرُ من السّدّ ... )) فدلّ بهذا الحرف على عدم ترجُّح معنى على معنى أو القطعِ لمعنى دون آخر، وتابع القاموسَ على ذلك المرتضى الزّبيدي في تاج العروس. ولكن يُلاحَظ على صنيع القاموس ومتابعِه تفرّدُهما من بين سائر المعاجم بذكر كلمة (الثّلث) ، وهو قول لم يذكُرا له شاهدًا، وينقضه معنى الإغلاق المُطْبِقِ الذي تدلّ عليه لفظة الرّدم.
2 -أقوال المفسّرين وشرّاح الحديث:
فإذا انتقلنا إلى كتب التّفسير التي عرضت للكلام على لفظي الرّدم والسّدّ وجدناها تذهب في ذلك الأمر مذهبين:
أوّلهما: أنّ الرّدم أمكنُ من السّد وأمنعُ، يقول الطّبري في تفسير قوله تعالى: {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} : (( أجعل بينكم وبين يأجوجَ ومأجوجَ رَدْمًا. والرّدْم: حاجز الحائط والسّدّ، إلّا أنّه أمنعُ منه وأشدُّ، يقال منه: قد رَدَمَ فلانٌ موضع كذا يَردِمه رَدْمًا ورُدَاما، ويقال أيضًا: رَدَّم ثوبَه يردمه، وهو ثوبٌ مُرَدّم: إذا كان كثير الرّقَاع ... ) )واحتجّ الطّبري لهذا القول بما أخرجه محمّد بن سعد عن ابن عباس رضيَ الله تعالى عنهما أنّه قال: (( هو كأشدِّ الحجاب. ) )
وقال بمثل هذا القول الزّجاج، إذ قال رحمه الله: (( والرّدمُ في اللغة أكثرُ مِنَ السّدِّ، لأنَّ الردمَ ما جُعِلَ بعضُه على بعْضٍ. يقال: ثوبٌ مُرَدَّمٌ، إذا كان قد رُقِعَ رُقعة فوق رُقعَة. ) )وتابع الطّبريَّ والزجّاجَ على هذا القولِ الزّمخشريُّ وابنُ عطيّة والرّازي والبيضاوي وبرهانُ الدّين البقاعي والألوسي.
ووَفْقَ هذا التّفريق الذي قال به كلّ أولئك النّفرِ الكريمِ يكون ذو القرنين قد وعدَ القومَ (( بالإسعاف بمرامهم فوقَ ما يرجونه، وهو اللّائقُ بشأن الملوك. ) )
ثانيًا: تضعيف القول الأوّل بقولهم: وقيل. والميلُ إلى القول بأنّهما بمعنى واحد كما عند القرطبي، يقول رحمه الله: (( وقوله تعالى: {عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} أي: ردْمًا. والرّدمُ: ما جُعِل بعضُه على بعضٍ حتّى يتّصلَ. وثوبٌ مُرَدَّم أي مرَقَّعٌ. قاله الهروي. يقال: رَدَمْتُ الثُّلْمَة أردِمُها رَدْمًا، أي سدّدتُها. والرّدم ... هو السّدّ. وقيل: الرّدم أبلغ من السّدّ؛ إذ السّدّ كلّ ما يُسَدّ به، والرّدمُ وضعُ الشّيء على الشّيء من حجارةٍ أو ترابٍ أو نحوِه حتّى يقوم من ذلك حجابٌ منيعٌ، ومنه ردّمَ ثوبَه إذا رقَعَه برِقَاعٍ متكاثفةٍ بعضُها فوق بعضٍ. ) )