الصفحة 5 من 15

وأمّا الرّدم في القرآن فلم يستعمل إلّا في الدّلالة على سدّ ذي القرنين، وهي الدّلالة التي دار حولها لفظا الرّدم والسّدّ في الأحاديث النّبويّة.

وكلُّ ما سبق يعني أنّ خمسة مواضعَ من سبعةٍ في القرآن والحديث جاء فيها الرّدمُ والسّدُّ بمعنى ردْم ذي القرنين. وذلك حالٌ يدفع الباحث دفعًا إلى القول بالتّرادف، ولكن هل الأمر كذلك؟ وهل لنا أن نستعمل لفظ الرّدم بدلًا من السّدّ في آية يس؟ أو أن نستعمل الرّدم مثنى بدلًا من السّدّين في آية الكهف؟ وحتّى نجيب عن هذه الأسئلة، ونحقِّق فيما بين اللفظين من علاقةٍ يحسن بنا ابتداءً أن نستعرض أقوالَ علماءِ اللغة والتّفسير وشُرَّاح الأحاديث في هذين اللّفظينِ:

1 -أقوالُ علماءِ اللغةِ:

إذا تتبّعنا أقوالَ علماءِ اللغة في الكلام على لفظي الرّدم والسّد فإنّا نجدها تذهب ثلاثة مذاهبَ: فهي إمّا ترادف بينَ اللّفظين، وإمّا ترجّح التّرادفَ، وإمّا تعرضُ فرقًا، لكنّها لا تقطع بوجوده.

والذين قالوا بالتّرادف كانوا أكثر عددًا، فإلى ذلك ذهب الخليلُ بْنُ أحمد وابنُ دريد والأزهري والصاحبُ بْنُ عبّادٍ والجوهري وابن فارسٍ والرازي، يقول الخليلُ رحمه الله في العين: (( رَدَمتُ الثُّلْمةَ والبابَ أردِمُ رَدْمًا أي: سَدَدْتُه، والاسم الرَّدْم، وجمعُه رُدُوم، وثوبٌ مُرَدَّم ومُلَدَّم إذا رقِّع، وقال عنترةُ:

هل غادَرَ الشُّعَراءُ من مُتَرَدَّمِ ...

أي: مُرَقَّعٌ مُستَصْلَحٌ. والرَّدْمُ: سَدُّ ما بيننا وبينَ يأجوجَ ومَأْجُوجَ ... )) ورجّح ابنُ سيده القولَ بالتّرادف؛ إذ ضعّف القولَ بأنّ الرّدم أكثرُ من السّد وأمنعُ، مستعمِلًا لذلك فعلَ القول مبنيًّا للمجهول، يقول رحمه الله: (( رَدَمَ البَابَ والثُّلْمَةَ ونَحْوَهُما يَرْدِمُهما رَدْمًا: سَدَّهُ. وقِيلَ: الرَّدْمُ أكثُر من السّدّ؛ لأنّ الرَّدْمَ: ما جُعِلَ بعضُه على بَعْضٍ، والاسمُ الرَّدْمُ، وجمعُه رُدُومٌ. والرَّدْمُ: السّدّ الذي بَيْنَنا وبَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ... ) )وكرّر ابن منظور هذا الذي ذكره ابن سيده في اللِّسان بنصّه.

وعرض الفيروزآبادي في القاموس ثلاثةَ معانٍ للرّدم عطفَ بعضها على بعضٍ بحرف العطف أو الدّالّ على التخيّير، قال رحمه الله: (( رَدَمَ البابَ والثُّلْمَةَ يَرْدِمُهُ سَدَّهُ كُلَّهُ، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت