وأما من العقل:
فإن الصوت في الشرع قد أُقيم مقام الشهادة؛ ألا ترى أن الأعمى يطأ زوجته بعد أن يعرف صوتها، والإقدام على الفرج واستباحته أعظم من الشهادة في الحقوق؟ [1] .
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بقَبُول شهادة الأعمى إذا علمه قبل العمى وعدم قبول شهادته إذا علمه في حال العمى بالقياس والعقل.
أما من القياس:
فقد قاسوا شهادة الأعمى على شهادة الصغير والعبد والفاسق وشهادة الأصم.
فقالوا: إنما أُريد البصر في حال التحمُّل؛ ليقعَ له العلم بها، فلم يعتبر البصَر في الأداء لاستقرار العلم بها، كما لم يمنع الصّغر والرّق، والفسق من التحمُّل، وإن منع من الأداء لأنها أحوالٌ لا تمنع من وقوع العلم بها وتمنع من نفوذ الحكم بها [2] .
وقالوا: لَمَّا جاز للأصم أن يشهدَ بما اختص بالمعاينة، وإن فقد حاسة السمع، جاز للأعمى أن يشهد بما اختص بالسماع، وإن فقد حاسَّة البصر؛ لاختِصاص الاعتبار بالحاسة المدْركة [3] .
وأمَّا من العقل:
فهو أن ما أدرك بالسَّماع استوى فيه الأعمى والبصير، كما أن ما أدرك بالبصر استوى فيه الأَصَمُّ والسميع؛ لاختصاص العلم بجارحته المحسوس بها، ولأنه فَقَد عضوًا لا يدرك به الشهادة، فلم يعتبر في صحتها مع إمكان إدراكها كقطع اليد.
ولأن الشهادة على الإنسان لا تؤثِّر فيها فقْد رؤية المشهود عليه كالشهادة على ميتٍ أو غائبٍ، والدليل على أن حدوث العمى بعد صحَّة الأداء لا يمنع من إمضاء الحكم بها: أن الموت المبطل لحاسة البصر وجميع الحواس إذا لم يمنع من إمضاء الحكم بالشهادة، فذهاب البصر مع بقاء غيره من الحواس أولى ألا يمنع من إمضاء الحكم بالشهادة؛ ولأنه لما جاز للأصم أن يشهد
(1) "شرح صحيح البخارى"؛ لابن بطال (8/ 34) .
(2) "الحاوي"؛ للماوردي (17/ 47) .
(3) "الحاوي"؛ للماوردي (17/ 40) .