إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
الأصل في العلم الذي تحصل به الشهادة الرؤية بالبصر، أو السماع بالسمع دون ما عداهما من مدارك العلم، وهو اللمس، والذوق، والشم، وقد أشار الله ـ إلى ذلك حيث قال: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [1] ، فخص ـ الثلاثة بالسؤال، لأن العلم بالفؤاد وهو القلب، ومستنده السمع والبصر، فالرؤية تختص بالأفعال، كالقتل والغصب، والسرقة والزنا، وشُرب الخمر، والصفات المرئية؛ كالعيوب في المبيع، ونحو ذلك، والسماع ضربان سماع من جهة الاستفاضة، وسماع من المشهود عليه [2] .
فلا يجوز للشاهد أن يشهد إلا بما يعلمه برؤيةٍ أو سماعٍ، ولذلك اتفق الفقهاء على عدم قبول شهادة الأعمى في المرئيات فيما تحمله بعد العمى؛ لفقْد وسيلة العلم بالمشهود به، واختلفوا فيما وسيلة العلم به السماع على أقوال، وهي:
القول الأول: لا تُقبل شهادة الأعمى جملةً؛ وبه قال أبو حنيفة، ومحمد، وهو قياس قول ابن شبرمة، وروي ذلك عن علي بن أبي طالبٍ ط، وعن إياس بن معاوية، وعن الحسن، والنخعي أنهما كرها شهادة الأعمى [3] .
القول الثاني: تجوز شهادة الأعمى إذا عرف الصَّوْت:
وروي ذلك عن ابن عباسٍ، وصح ذلك عن الزُّهْري، وعطاءٍ، والقاسم بن محمدٍ، والشعبي، وشريحٍ، وابن سيرين، والحكم بن عتيبة، وربيعة، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاري، وابن
(1) [الإسراء: 36] .
(2) "شرح الزركشي على مختصر الخِرَقي" (3/ 395) .
(3) "أحكام القرآن"؛ للجصاص (2/ 227) ، و"شرح صحيح البخارى"؛ لابن بطال (8/ 34) ، و"المحلى"؛ لابن حزم (9/ 433) .