بما اختص بالمعاينة، وإن فقد حاسة السمع جاز للأعمى أن يشهد بما اختص بالسماع، وإن فقد حاسة البصر؛ لاختصاص الاعتبار بالحاسة المدركة [1] .
قال الشافعي: لا تجوز شهادة الأعمى إلا أن يكون أثبت شيئًا معاينةً، أو معاينةً وسمعًا، ثم عمى، فتجوز شهادته لأنَّ الشهادة إنما تكون يوم يكون الفعل الذي يراه الشاهد أو القول الذي أثبته سمعًا، وهو يعرف وجه صاحبه، فإذا كان ذلك قبل أن يعمى ثم شهد عليه حافظًا له بعد العمى جاز، وإذا كان القول والفعل وهو أعمى لم يجز من قبل أن الصوت يشبه الصوت [2] .
المناقشة:
مناقشة أدلة القول الأول: القائل بعدم قبول شهادة الأعمى.
نُوقِش استدلالهم بقوله ?: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} [فاطر: 19] ، وعمومها بأن الاستدلال بعموم الآية مخصوص بأدلة قبول شهادة الأعمى.
ونُوقش استدلالهم بقوله ?: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] بأنَّ الاعتبار في شهادة الأعمى بالضبط والعلم وليس على الجهل والظنِّ.
ونوقش استدلالهم بحديث: «هل ترى الشمس؟» ، بأنه حديث لا يصحُّ؛ قال أبو محمد ابن حزم: وهذا خبرٌ لا يصح سنده؛ لأنه من طريق محمد بن سليمان بن مشمولٍ وهو هالكٌ، عن عبيد الله بن سلمة بن وهرام وهو ضعيفٌ، لكن معناه صحيحٌ [3] .
وقال الزيلعي: قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتعقَّبَهُ الذهبي في مختصره فقال: بل هو حديثٌ واهٍ، فإن محمد بن سليمان بن مشمولٍ: ضعفه غير واحدٍ، انتهى.
قلت: رواه كذلك ابن عدي في الكامل، والعقيلي في كتابه، وأعلاه بمحمد بن سليمان بن مشمولٍ، وأسند ابن عدي تضعيفه عن النسائي، ووافقه، وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، إسنادًا ولا متنًا، انتهى [4] .
وعلى فرض صحته - وهو صحيح المعنى - فلا اعتبار به؛ لأنَّ المعتبر في الشهادة اليقين، وهذا لا ينازع، فلا يقبل من الأعمى إلا ما كان متيقنًا منه.
(1) "الحاوي"؛ للماوردي (17/ 40) .
(2) "الأم"؛ للشافعي (7/ 91 و 92) .
(3) "المحلى"؛ لابن حزم (9/ 434) .
(4) "نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي" (4/ 82) .