الصفحة 26 من 33

وأما قولكم: إنه أشبه بالبالغ، وحاله حال أهل العدالة، فيقال: للشَّهادة شُرُوط مُعْتَبرة؛ ولا عبْرة فيها بالمشابهة، وحال أهل العدالة غير مضطرد؛ إذ المرأة حالها حال أهل العدالة، ولقبول شهادتها يضم إليها أخرى.

الترجيح:

والذي أراه راجحًا - والله أعلم - هو قبول شهادة الصبيان على بعضهم في كل شيء، وذلك مراعاة لمقاصد الشريعة العامة من المحافظة على الكليات الخمس، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنَّسْل، والمال.

ولأنَّ ترك العمل بشهادة الصبيان على بعضهم في وقت لا يوجد فيه غيرهم من إضاعة الحقوق التي لا يرضاها الله، وفي هذه الأزمان توجد تجمُّعات كثيرة للأطفال يَحْدُث فيها ضياع المال والعقل باستخدام الصبيان، في الترويج للمخدرات، والقيام بالسرقات، ولا يشهد عليهم إلا أمثالهم، وعُقُول الصبيان في هذه الأيام في معرفة الباطل ونشره كثيرة، يشْهَد به الواقع، ويُقِرُّ به القاصي والداني.

ومن قواعد الشريعة: المشقَّة تجلب التَّيْسير، وكذا قول الشافعي رحمه الله: «إذا ضاق الأمر اتَّسَع [1] » ، ومعناهما قريبٌ يدل على أنه: إذا ظهرتْ مشقَّةٌ في أمرٍ يرخّص فيه ويوسّع، ومن فروع هاتين القاعدتين: قبول شهادة الصِّبيان في المواضع التي لا يحضرها الرِّجال، حتى نرفعَ المشقَّة عن الأمة، ونُوَسِّع عليها ذلك التضْييق الذي يُؤَدِّي إلى إهْدار الحقوق.

هذا، وإن قلنا بقبول شهادتهم، فهذا أمرٌ يرى القاضي فيه رأيَه من اعتبار حال الأولاد، من ناحية الصدق، والقرائن التي تحتف بوقائعهم، والتي تُوَصّلنا إلى العمل بغلَبة الظن، وقد ذكر بعض فقهاء المالكية ستة عشر شرطا لِقَبُول شهادتهم، يمكن الرجوع إلى بعضها للوصول إلى قضاء عادل يزيل الخصومات، ويوَصِّل الحقوق إلى أصحابها، خاصة وقد عمل بشهادة الصبيان كثيرٌ من سلَف الأمة، والعامل بمِثْل عمَلِهم على طريق السلامة [2] .

قال ابن القيِّم: وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجارح بعضهم بعضًا، فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم وشهادة النساء منفردات لضاعتِ الحقوق، وتعطَّلَتْ وأُهْمِلَتْ مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم، ولا سيما إذا جاءُوا

(1) وهذه القاعدة من عبارات الإمام الشافعي (ذَكَرَها السُّبْكِي في"الأشباه والنظائر"(1/ 48) ، والزركشي في"المنثور" (1/ 120 - 123) ، والسيوطي في"الأشباه" (ص 83)

(2) ذكرها الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير (4/ 261 - 264) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت