مناقَشة أدلة القول الثاني:
أمَّا استدلالهم بآية الأمر بالإعداد للجهاد: فلا وجْه للاسْتِدلال بها؛ فالمخاطَب بها البالغين، وإن سلَّمنا بتعليم الصِّغار، فالمعد لهم هم الرِّجال الذين يقومون بتدْرِيبهم، فإن كان الرِّجال لا يدربونهم فلا عدَّة عند الصِّغار.
قال القاضي من الحنابلة: الجواب أنه ليس العادة أنَّ الصبيان يخلون في الأهداف أن يكون معهم رجل، بل لا بد أن يكونَ معهم مَن يُعَلِّمهم أو ينظر إليهم، فلا حاجة تدعو إلى قبول شهادتهم على الانفراد [1] .
وأمَّا استدلالكم بأن ابن الزبير قبلها فنقول ما قال الشَّافعي: فإن قال قائلٌ: أجازها ابن الزُّبير، فابن عبَّاس ردَّها [2] .
وهو نفسه ردَّ على قولكم: إنَّ ذلك إجماع الصحابة؛ لأنَّه مرْوِيٌّ عن علي وابن الزبير ومعاوية، ولا مخالف لهم.
قال الماوَردي: وقضاء ابن الزُّبير مع خلاف ابن عبّاس يمنع مِن انعقاد الإجماع، والقياس مع ابن عباس؛ لأنَّ كلَّ من لم تقبل شهادته في الأموال لم تقبل في الجراح، كالفسَقَة [3] .
وقياسُكم لها على الضرورة وشهادة النِّساء.
فنقول: لو جاز لأَجْل اعتزالهم عن الرِّجال أنْ تُقبل شهادة بعضِهم على بعضٍ؛ لجاز لأجْل اجتماع النِّساء في الحمَّامات والأعراس أن تقبل شهادة بعضهن على بعضٍ، وهي لا تقبل مع الضَّرورة مع جواز قبولهنَّ مع الرِّجال في الأموال، فالصِّبيان الذين لا تُقبل شهادتهم مع الرِّجال، فأوْلى ألا تُقبل في الانفراد، وبه يَبْطُل استدلالهم.
مناقَشة أدلة القول الثالث:
قال المخالفون لهم: أمَّا استدلالكم بقضاء عليّ، فالرواية فيها عبد الله بن حبيب، وهو غير مقبول الحديث عند أهل العلم، ومع ذلك فإن معنى الحديث مستحيل لا يصدق مثله عن علي ا؛ لأنَّ أولياء الغريق إن ادعوا على أحد الفريقين فقد أكذبوهم في شهادتهم على غيرهم، وإن ادعوا عليهم كلهم فهم يكذبون الفريقَيْن جميعًا، فهذا غير ثابت عن علي ا [4] .
(1) "المحرر في الفقه" (2/ 332) .
(2) "السنن الكبرى؛ للبيهقي" (10/ 161) .
(3) "الحاوي"للماوردي (17/ 60) .
(4) "أحكام القرآن"للجصاص (2/ 225) .