الصفحة 24 من 33

المناقشة:

مُناقشة أدلة القول الأول:

مناقشة اسْتِدْلالهم بالآيات القُرآنيَّة:

قالوا في الرَّدِّ على استدلالهم بالآيات: كل ما ورد في الآيات إنَّما هو خطاب للمُكلف البالغ، وأمَّا إذا عدم البالغ، واحتجنا إلى إثبات الحقوق، فقد عدلنا إلى من هو غير مخاطب بها، مع إمكان تحمُّله وأدائه لها، فقبلنا شهادته ضرورة، وَوَجْهُ استدلالكم من الآيات صحيحٌ في غير حالتِنا، وإنَّما هو في حالة وُجُود الشُّهُود البالغين.

قال القرافي:"الأمر بالاستشهاد إنما يكون في المواضع التي يمكن استثناء الشهادة فيها اختيارًا؛ لأنَّ من شرط النَّهي الإمكان، وهذا موضع ضرورة تقع فيه الشهادة بغتة، فلا يتناولها الأمر، فتكون مسكوتًا عنها، وقال: إنَّ هذه الظواهر عامة، ودليلنا خاص، فيُقَدَّم عليها" [1] .

وأمَّا حديث رفع القلم، فقالوا في الرد عليه: لا دلالة فيه على عدم قبول عمل منه أداه على وجهه، فغايتُه رفع الإثم، والمراد بالقلَم التَّكليف وما نحن فيه ليس منه، وإنما هو مِنْ باب حفظ الحقوق للآخرين بقوله: وأمَّا القياس على حفْظ أمواله، فإنَّ الشريعة تُراعي جانب المحافظة على الحقوق، فمنعت الصبي من ولاية ماله مُحافظة له على مالِه، وقبلت شهادته محافظةً للآخرين على حُقُوقهم.

وأجابُوا عنِ استدلالهم بالمعْقول فقالوا:

أمَّا قَوْلكم: إنَّ الأداء لا يكون إلا بالتحفُّظ والتذكُّر، فنقول: ونحن لا نقبل شهادة الناسي والذي لا يذكر منهم، ولكن نقبل شهادة من أتقن وتذكَّر، وأما كونها ولاية فهذا لا يسلَّم؛ لأنَّ الشَّهادة تفارق الولاية في كثير منَ الأمور.

وأمَّا قولكم: الصبي لا يخاف من مأثم الكذب فينزعه عنه ويمنعه منه، فلا تحصل الثقة بقوله، ولأنَّ مَن لا يقبل قوله على نفسه في الإقرار لا تُقبل شهادته على غيره؛ كالمجنون.

فقد ذكرنا لقبول شهادته شروطًا تَحُول دون كذبه، مُؤَيَّدة بقرائن الأحوال، والصغير إذا خلي وسجيته الأولى لا يكاد يكْذب، وقياسُه على المجنون قياسٌ مع الفارق؛ لقَبُول الأعمال منه، واعتبارها بخلاف المجنون فافترقا.

(1) "الذخيرة" (10/ 211) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت