وأمَّا من المعقول:
فقد قالوا: قبول شهادة الصبيان له حظٌّ من النظر.
قال ابن رشد:"الشهادة لما كان طريقها اليقين لغالب الظَّنِّ بصِحّتِها، دون العلم بمغيبها، جاز أن يُكْتَفى فيها بشهادة الصبيان في الموضع الذي لا يحضره إلا الصبيان" [1] .
أدلة القول الثالث:
استدل القائلون بأنها تقبل ممَّن هو في حال العدالة، فتصحُّ مِن مميِّزٍ، بالمأثور والمعقول.
أما من المأثور:
قال ابن أبي شيبة: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا عبد الله بن حبيبٍ بن أبي ثابتٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ؛ أنَّ ستَّة غلمةٍ ذهبوا يسبحون، فغرق أحدهم، فشهد ثلاثةٌ على اثنين أنَّهما أغرقاه، وشهد اثنان على ثلاثةٍ أنَّهم أغرقوه، فقضى علي أنَّ على الثَّلاثة خمسي الدية، وعلى الاثنين ثلاثة أخماس الدية [2] .
وجه الدلالة: أن عليًّا ط قبِل شهادة الصبيان، ولم يردها.
أما من المعقول:
أولًا: أن المميز أقرب شبهًا بالبالغ؛ ولذا أُمِر بالصَّلاة وأثيب عليها.
روى ابن إبراهيم عن أحمد أنه سئل: هل تجوز شهادة الغلام؟
قال: إذا كان ابن عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة، وأقام شهادته، جازتْ شهادتُه؛ انتهى كلامه.
وهذا النص إنما يدُل لما ذكره بعض الأصحاب من أنه تُقبل شهادة ابن عشر؛ لأنَّه يُضْرب على الصلاة أشْبه البالِغ، ووجهه: أنه مأمور بالصلاة أشبه البالغ.
ثانيًا: قالوا: إنَّ حال الصبي المميز حال أهْل العدالة لإمكانه ضبط الشهادة.
قال ابن مُفلح رواية عن أحمد:"تُقبل ممن هو في حال أهل العدالة؛"لأنه يُمكنه ضبط ما يشهد به فَقُبِلتْ كالبالغ" [3] ."
(1) "البيان والتحصيل" (9/ 478) .
(2) "مصنف ابن أبي شيبة" (9/ 400) .
(3) "المبدع شرح المقنع" (10/ 165) .