مجتمعين قبل تفرُّقهم ورجوعهم إلى بيوتهم، وتواطَئُوا على خبر واحد، وفرقوا وقت الأداء، واتفقت كلمتهم، فإن الظن الحاصل حينئذٍ من شهادتهم أقوى بكثيرٍ من الظن الحاصل من شهادة رجلَيْن، وهذا مما لا يمكن دفْعه وجحده، فلا نظن بالشريعة الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد في المعاش والمعاد أنها تُهْمِل مثل هذا الحق وتضيعه مع ظُهُور أدلته وقوتها وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك [1] .
وقد ذكرنا أنها تُقبل للضرورة، فصارت الضرورة مؤثِّرة في الجنس، وفي العدد، فيتوجه على هذا أن تُقبل شهادة المعروفين بالصِّدْق، وإن لم يكونوا ملتزمين للحدود عند الضرورة؛ مثل: الشهادة في الحبس، وحوادث البَرِّ، وأهل القرية الذين لا يوجد فيهم عدل ولذلك أصول يُرَد إليها:
أحدها: شهادة أهل الذمة في الوصية إذا لم يكن مسلم وشهادتهم على بعضهم في قول.
الثاني: شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال.
الثالث: شهادة الصبيان فيما لا يشهده الرجال.
ويظهر ذلك بمحتضر في السفر إذا حضر اثنان كافران واثنان مسلمان مصدقان ليسا بملازمين للحدود واثنان مبتدعان، فهذان خير من الكافرين، والشُّرُوط التي في القرآن إنَّما هي شُرُوط التحمُّل لا الأداء [2] .
(1) "إعلام الموقعين"؛ لابن القيم (1/ 97) .
(2) "المحرر في الفقه"؛ لمجد الدين ابن تيميَّة (2/ 333) .