وأما قولهم: الصوت في الشرع قد أُقيم مقام الشهادة، وأن الأعمى يطأ زوجته بعد أن يعرف صوتها، والإقدام على الفرْج واستباحته أعظم من الشهادة في الحقوق.
فالجواب: أن المتكلم قد يُحاكي صوت غيره ونغمته، حتى لا يغادرَ منها شيئًا، ولا يشك سامعه إذا كان بينه وبينه حجاب أنه المحكي صوته، فغير جائز قبول شهادته على الصوت؛ إذ لا يرجع منه إلى يقين، وإنما يبنى أمره على غالب الظن [1] .
ويُقال في ذلك: قد يصحُّ أن يستدل على شيء في أمرٍ، ولا يصح في غيره، ومن ذلك: أن الاستمتاع بالأزواج لخصوص الاستحقاق أوسع حكمًا من الشهادة، لجواز الاستدلالِ عليها باللمس، فجاز الاستدلال عليها بالصوت، ويجوز أن يعتمد في الاستمتاع بالمزفوفة إليه على خبر ناقلها إليه، وإن كان واحدًا، وذلك ممتنعٌ في الشَّهادة [2] .
وقالوا: يجوز له الإقدام على وطء امرأته بغالب الظن بأنْ زُفَّتْ إليه امرأة، وقيل له: هذه امرأتك، وهو لا يعرفها يحل له وطْؤها، وكذلك جائز له قبول هدية جارية بقول الرسول، ويجوز له الإقدام على وطئها، ولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف لما جاز له إقامة الشهادة على المخبر عنه؛ لأن سبيل الشهادة اليقين، والمشاهدة وسائر الأشياء التي ذكرت يجوز فيها استعمال غالب الظن وقبول قول الواحد، فليس ذلك إذن أصلًا للشهادة [3] .
مناقشة أدلة القول الثالث: القائل بالتفريق بين ما علمه قبل العمى وما علمه بعده.
أمَّا قياسهم شهادة الأعمى على شهادة الصغير والعبد والفاسق وشهادة الأصم.
فالجواب: أنَّ حال تحمُّل الشهادة أضعف من حال الأداء، والدليل عليه أنه غير جائز أن يتحمَّل الشهادة وهو كافر أو عبد أو صبي ثُمَّ يؤَدِّيها وهو حر مسلم بالغ تقبل شهادته، ولو أدَّاها وهو صبي أو عبد أو كافر لم تجزْ، فعلمنا أن حال الأداء أوْلى بالتأكيد مِنْ حال التحمُّل، فإذا لم يصحَّ تحمُّل الأعمى للشهادة، وكان العمى مانعًا مِنْ صحَّة التحمُّل، وجَب أن يمنع صحة الأداء [4] .
وأمَّا القول بأنَّ الصَّوْت يُشْبه الصوت فيشتبه.
فالجواب: أنَّ الاشتباه العارض بين الأصوات كالاشتباه العارض بين الصور.
(1) "أحكام القرآن"؛ للجصاص (2/ 227) .
(2) "الحاوي"؛ للماوردي (17/ 43) .
(3) "أحكام القرآن"؛ للجصاص (2/ 227 و 228) .
(4) "أحكام القرآن"؛ للجصاص (2/ 228) .