وأما الجواب عن قياسهم الأقوال على الأفعال فهو: أن ما أدركت به الأفعال، مفقودٌ في الأعمى، وما أدركت به الأقوال موجودٌ فيه، فافترقا [1] .
مناقشة أدلة القول الثاني: القائل بجواز قبول شهادة الأعمى:
أمَّا استدلالهم بقوله ?: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] ، وقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] .
فقد نوقش بأنَّ ظاهر الآية يدل على أن الأعمى غير مقبول الشهادة؛ لأنه قال: {وَاسْتَشْهِدُوا} ، والأعمى لا يصحُّ استشهاده؛ لأن الاستشهاد هو إحضار المشهود عليه ومُعاينته إياه، وهو غير معاين ولا مشاهد لمن يحضره؛ لأن العمى حائل بينه وبين ذلك كحائط لو كان بينهما فيمنعه ذلك من مشاهدته، ولما كانت الشهادة إنما هي مأخوذة من مشاهدة المشهود عليه ومعاينته على الحال التي تقتضي الشهادة إثبات الحق عليه، وكان ذلك معدومًا في الأعمى، وجب أن تبطل شهادته فهذه الآية لأن تكون دليلًا على بطلان شهادته أولى من أن تدل على إجازتها [2] .
وأمَّا استدلالهم بقوله ?: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] .
فنُوقش بأنَّ اشتراط العدالة ليس معتبرًا في كلِّ الأحوال، فكم من عدل لا تُقبل شهادته! فإنه لو شهد لأبيه أو لابنه أو لمملوكه لما قبلتْ شهادتُه، والمانع من شهادتهم غير العدالة، فالآية عامَّة، وأدِلَّة المنْع خاصَّة.
وأمَّا استدلالهم بالسُّنة:
فالجواب عنه ما ذَكَرَهُ الحافظ في"الفتح"فقال: وقال الإسماعيلي: ليس في أحاديث الباب دلالة على الجواز مطلقًا؛ لأنَّ نكاح الأعمى يتعلَّق بنفسه؛ لأنه في زوجته وأمته وليس لغيره فيه مدخل، وأما قصَّة عباد ومخرمة، ففي شيء يتعلق بهما لا يتعلق بغيرهما، وأما التأذين فقد قال في بقية الحديث: «كان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت» ، فالاعتماد على الجمع الذين يخبرونه بالوقت [3] .
وأما الآثار: فيجاب عنها بمثل ما قيل في الأحاديث.
(1) "الحاوي"؛ للماوردي (17/ 40) .
(2) "أحكام القرآن"؛ للجصاص (2/ 228 و 229) .
(3) "فتح الباري"؛ لابن حجر (5/ 266) .