الصفحة 5 من 26

لكنه عطف على ذلك بقوله:"ثم رأيت بخطه سنة خمس وأربعين وسبعمائة [1] ، فتكون سنة ولادته التي لا اختلاف فيها هي خمس وأربعون وسبعمائة."

وقد نشأ هذا الإمام في بيت علم وعرفان، وتقوى وإيمان، شأنه في ذلك شأن غيره من علماء الأمة الأماجد، لكن أسرته كانت أقرب إلى الفقر والعوز منها إلى الغنى والترف، إذ اشتهر أبوه بصناعة الزركش، وهو التطريز بالذهب فأخذ هذه الصنعة عنه الإمام بدر الدين، وهو السبب في تلقبه بالزركشي، وكل ذلك كان سببا في نبوغه وتفوقه على أقرانه من بني عصره.

ولما أن نبت حب التعلم وطلب المعرفة في فؤاده، شرع في النهل من العلوم التي كانت في ذلك الآن تسير سير الشمس في الأقطار، وتجوب تلك الدهور والأعصار، فأخذ عن علماء كثيرين من أهل عصره، قال الشيخ شمس الدين البرماوي:"إنه كان منقطعا إلى الاشتغال بالعلم لا يشتغل عنه بشيء وله أقارب يكفونه أمر دنياه" [2] .

وقد حاز بذلك من جواهر العلم وكنوزه حظا وافرا، فصار متفننا في علوم شتى، كالتفسير والفقه والأصول وغيرها، وقد تناول سيرته المتعطرة بالجد والاجتهاد ابن حجر العسقلاني مبينا طريقة التحصيل عند الإمام بدر الدين والعلماء الذين أخذ عنهم جل علومه المتنوعة فقال:"وعني بالاشتغال من صغره فحفظ كتبا وأخذ عن الشيخ جمال الدين الاسنوي والشيخ سراج الدين البلقيني ولازمه ولما ولي قضاء الشام استعار منه نسخته من الروضة مجلدا بعد مجلد فعلقها على الهوامش من الفوائد فهو أول من جمع حواشي الروضة للبلقيني وذلك في سنة 69 وملكتها بخطه ثم جمعها القاضي ولي الدين ابن شيخنا العراقي قبل أن يقف على الزركشية فلما أعرتها له انتفع بها فيما كان قد خفي من أطراف الهوامش في نسخة الشيخ وجعل لكل ما زاد على نسخة الزركشي زايا وعني الزركشي بالفقه والأصول والحديث فأكمل شرح المنهاج واستمد فيه من الاذرعي كثيرا وكان رحل إلى دمشق فأخذ عن ابن كثير في الحديث وقرأ عليه مختصره ومدحه ببيتين ثم توجه إلى حلب فأخذ عن الأذرعي" [3] .

(1) إنباء الغمر بأبناء العمر للحافظ أحمد بن حجر 1/ 446.

(2) نقلا عن ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية 3/ 167.

(3) الدرر الكامنة 5/ 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت