غسل الوجه الظاهر والباطن، ومنهم من قال: إنما المراد من الآية غسل الوجه الظاهر فقط، الذي تحصل به المواجهة؛ فلا تدخل المضمضة والاستنشاق في غسل الوجه المأمور به في آية الوضوء، فلما رجعنا إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - لإزالة هذا الإشكال وجدنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - واظب على المضمضة والاستنشاق، ونقلها عنه اثنان وعشرون صحابيًا، بل صح الأمر بالاستنشاق عنه - صلى الله عليه وسلم -؛ فالأقرب وجوبهما.
-الركن الأول: ثم يغسِلُ: ضابط الغسل جريان الماء على العضو، جميعَ وجهِه: وضابط الوجه ما تحدث به المواجهة، وحدّه أهل العلم من أسفل الذقن إلى منابت شعر الرأس طولًا، ومن شحمة الأذن اليمنى إلى الأذن اليسرى عرضًا، وغسل الوجه ركن من أركان الوضوء؛ لأنه ذكر في آية الوضوء: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ، وهل تدخل اللحية في غسل الوجه؟ الجواب: اللحية مما تحدث به المواجهة؛ فتكون من الوجه، فيجب غسل ظاهرها، وأما تخليلها فسنة، كما سيأتي.
-الركن الثاني: ثم يدَيه مع مِرفقَيه: فتغسل اليد إلى المرفق، وغسل اليد ذكر في آية الوضوء؛ فيكون من أركان الوضوء، وهل يدخل المرفقان؟ من أهل العلم من قال: تغسل اليد إلى أول المرفق، ومنهم من قال: تغسل مع المرفق، ولما رجعنا إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - لإزالة الإشكال، وجدنا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ، رواه مسلم، فظهر أن الركن يشمل غسل اليدين مع المرفقين كما قال الماتن رحمه الله.
-الركن الثالث: ثم يمسَحُ: ضابط المسح حركة الماسح على الممسوح؛ فلا يكفي مجرد الوضع، والمسح بخلاف الغسل لا يشترط فيه الاستيعاب، بل يكفي أن يحرك يده على عموم رأسه أصاب ما أصاب واخطأ ما اخطأ، رأسَه: الرأس ما يحصل به الترأس؛ أي العلو، وليس المراد بمسح الرأس مسح الشعر دائمًا، فقد يكون بلا شعر، وقد يتسفل شعره؛ كشعر الرجل أو المرأة إذا طال ونزل إلى الأسفل؛ فمحل الوجوب مسح ما ترأس منه؛ أي مسح الشعر المعتاد، ومسح الرأس ركن من أركان الوضوء؛ لأنه ذكر في آية الوضوء؛ في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) ، وهل قوله تعالى: (بِرُؤُوسِكُمْ) ، يشمل مسح جميع الرأس أو بعضه؟ اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولما رجعنا إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدنا حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه، فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، متفق عليه، وهل تدخل الأذنان في مسح الرأس، قال بعض أهل العلم: الأذنان مما يترأس على الإنسان؛ فلو أنك نظرت لشخصٍ من أعلاه لنظرت رأسه وأذنيه، وقال بعض أهل العلم: لا تدخل، ولما رجعنا إلى هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدنا ما أخرجه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ثم مسح - صلى الله عليه وسلم - برأسه, وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه, ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، فيعتني بتعميم جميع الرأس مع الأذنين بالمسح، كما قال الماتن رحمه الله: مع