جاء في الكشاف في تفسير قوله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَا وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الاٌّ مْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} (159) ، (( أي: بين ذلك المذكور، وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بـ(ذلك) ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت على معنى: فذلك المحسوب او المعدود .. )) (160) .
وأيضا نجد الكلام نفسه أو قريبا منه في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (161) ، حيث يقول: (( جائز ان يكونا خبرين معا، او يحتمل بين ذلك لغوا، وقواما مستقرا. وان يكون الظرف خبرا، وقواما حالا مؤكدة ) ) (162) .
وفي هذه الآية وهي قوله: {وكان بين ذلك قواما} قد أجاز الفراء أن يكون {بين ذلك} اسم كان، على انه مبني لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:
لم يمنع الشرب منها غيرَ أن نطقت (163) ..
ويعلق عليه الزمخشري بقوله: (( وهو من جهة الإعراب لا باس به، ولكن المعنى ليس بقوي؛ لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة، فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة ) ) (164) .
يبين هذا الكلام أن (ذلك) إشارة الى (الإسراف والتقتير) وهما اثنان فعبر عنهما بـ (ذلك) وكان الأصل (ذلكما) ويدل على ذلك (بين) التي تاتي مضافة الى اكثر من واحد، و تتبين هذه المسالة بوضوح خاصة إذا أضيف إلى (ذلك) لفظة (بين) والمعروف أن (بين) لا تضاف إلا إلى أكثر من واحد، ومن ذلك قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرونَ} (165) ، حيث أضيفت (بين) إلى أكثر من واحد كقولنا: المال بين زيد وعمر، يثبت هذا الكلام أن (ذلك) لم تأتي لمفرد وإنما جاءت لأكثر من واحد وهو إشارة إلى ما سبق لهذه الآية وهو قوله تعالى: {لا فارض ولا بكر} ، إشارة إلى هذين الوصفين.
وفي قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} (166) ، حيث قرئ {تخاصم} بالنصب على انه صفة لذلك؛ لان أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس (167) ، وهنا يأتي السؤال، لماذا سمي (ذلك) المفرد تخاصما (جمعا) بكونه صفة؟ والجواب نجده عند الزمخشري، حيث يقول: (( شبه تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين نحو ذلك؛ ولان قول الرؤساء: لا مرحبا بهم، وقول إتباعهم: بل انتم لا مرحبا بكم، من باب الخصومة فسمي التقاول كله تخاصما لأجل اشتماله على ذلك ) ) (168) وعلى هذه القراءة قد عوملت (ذلك) معاملة الجمع.