الصفحة 9 من 27

وكان السلف يعلمون هذا جيدًا، فها هي أحدى الصالحات تقول عندما أُصيبت بأحد أبنائها:

"الحمد لله على السراء والضراء، والعافية والبلاء، والله ما أحب تأخير ما عجل الله، ولا تعجيل ما أخَّرَ الله، وكل ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير."

فما أبرم الله لم ينتقض ... وما نقض الله لم يبرم

اعلم أن الذي قدر عليك الأقدار حكيم خبير لا يفعل شيئًا عبثًا ولا يقدر شيئًا سدى، بل هو رحيم تنوعت رحمته سبحانه وبحمده، يرحم العبد فيعطيه، ثم يرحمه فيوفقه للشكر، ثم يرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر، ثم يرحمه فيكفر بالبلاء ذنوبه وآثامه، ثم ينمي حسناته ويرفع درجاته، ثم يرحمه فيخفف من مصيبته وطأتها، ويهون مشقتها ثم يتمم أجرها، فرحمته متقدمة على التدابير السارة والضارة ومتأخرة عنها، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

فإذا علمت هذا:"إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل مسمي"

فهذا يحملك على الصبر والاحتساب، وهذا هو تمام التعزية"فلتصبر ولتحتسب"

يقول المنبجي- رحمه الله - كما في تسلية أهل المصائب صـ 20 - 22:

ومما يتسلى به المصاب أن يوطن نفسه على أن كل مصيبة تأتيه هي من عند الله، وأنها بقضائه وقدره، وأنه سبحانه وتعالى لم يقدرها عليه ليهلكه بها ولا ليعذبه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره ورضاه.

{مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} (النساء: 147)

فليعلم المكروب أن حظه من المصيبة ما يحدث له، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، ومن رضي بقضاء الله جُزي عليه وكان له أجر، ومن لم يرضى بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله، فقضاء الله نافذ كالسيف وأمره واقع، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولكن العبد هو الذي يربح أو يخسر بحسب رضاه وسخطه، جعلنا الله من الراضين بقضائه وقدره.

يقول أكثم بن صيفي:"حيلة من لا حيلة له الصبر"... (جنة الرضا: 3/ 19، العقد الفريد:3/ 38)

فإذا ابتليت بمحنة فاصبر لها ... صبر الكرام فإن ذلك أسلم

وإذا ابتليت بكربة فالبس لها ... ثوب السكوت فإن ذلك أسلم

لا تشكون إلى العباد فإنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ كما في عدة الصابرين صـ 32:

وقيل الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب، والصبر والجزع ضدان، ولهذا يقابل أحدهما بالآخر.

قال تعالى عن أهل النار: {سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} (إبراهيم: 21)

والجزع قرين العجز وشقيقه، والصبر قرين الكيس (العقل) ومادته

فلو سُئل الجزع من أبوك؟ لقال العجز.

ولو سُئل الكيس من أبوك؟ لقال الصبر.

والنفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطية، فإن لم يكُ للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب. أهـ

وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"فلتصبر"يجعلنا نقول: نعم للصبر ولا للجزع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت