الصفحة 5 من 27

هذه كلمات ما قصدت بها إلا تسلية المبتلى وتعزية المُصاب.

فهي تذكرة لأولي الألباب، وتسلية لكل مؤمن مُصاب، تشرح صدره، وتجلب صبره، وتُهوِّن خطبه، وتُخفِّف أمره. ويلحظ بها ثوابه على الصبر وأجره.

فمما لا شك فيه أن فقد الأحبة صدع في الفؤاد، وحدث مؤلم مزعج، فهو نار في القلب تستعر، وحرقة في الكبد مشتعلة، ومرارة في الحلق وضيق في الصدر.

لذا نقول لك:

يا مَن فقدت أبًا كريمًا كان يرعاك في الصغر ويشملك بالحب والنصح والإرشاد والإنفاق في الكبر.

يا من فقدت أمًا حنونًا كان ثديها لك سقاء وبطنها لك وعاء.

يا من فقدت ولدك الحبيب وصديقك العزيز.

يا من فقدتم الأهل والأحباب.

عظَّم الله أجركم، وجبر كسركم، وعوَّضكم خيرًا مما فقدتم.

واعلموا أن فقد الأحباب ابتلاءٌ واختبار.

فالمسلم من استسلم لقضاء الله، وصبر واحتسب ورضي.

والمصاب هو من حُرِم الثواب الذي وعد به الملك الوهَّاب، حيث قال:

{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ 155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ {157} (البقرة:155 ـ 157)

والمصيبة كما قال القرطبي ـ رحمه الله ـ: هي كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه.

وقد جعل الله عز وجل كلمات الاسترجاع وهي قول المصاب: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} ملجأً وملاذًا لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين من الشيطان، لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة، فيهيج ما سكن، ويظهر ما كمن، إذا لجأ إلى هذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير والبركة فإن قوله: {إِنَّا لِلّهِ} إقرار بالعبودية والملك واعتراف العبد لله بما أصابه منه فالملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وعلى العبد أن يعلم أنه مملوك وليس للملوك في نفسه شيء، وقوله: {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثنا، فله الحكم في الأولى وله المرجع في الأخرى، وفيه كذلك رجاء ما عند الله من الثواب.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين.

ـ يعني بالعدلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الهدى.

وكذا قال سعيد بن المسيب كما عند البخاري تعليقًا (3/ 137) :

ـ والعلاوة: ما يُحمل فوق العدلين على البعير

ولقد وعد الله - تعالى - كل من نزلت به مصيبة فحمده واسترجع، أن يخلف عليه خير مما فقد في هذه الدنيا.

فمن بركة هذا الاسترجاع العاجلة، بالإضافة إلى ما ذكر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت