الصفحة 18 من 27

-من ثمرات الصبر: الرضا -

ويعلم المصاب أن حظه من المصيبة ما يحدث له فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله. فاختر لنفسك خير الحظوظ أو شرها، فإن أحدثت له سخطًا وكفرًا كنت في ديوان الهالكين، وإن أحدثت له رضًا وفرحًا بقضائه كنت في ديوان الراضين.

أخرج ابن ماجة والترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط".

فمن أنفع الأدوية للمصاب بفقد الأحباب أن يوافق ربه وإلهه فيما قضاه ويرضى به.

يقول أبو الدرداء- رضي الله عنه-: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى العبد به.

فلا لِلَطْمِ الخدود ولا لشق الجيوب، ولا الدعاء بالويل والثبور والتسخط على المقدور، والجزع على المفقود، فإن هذا لا يرد مافات.

قال بعض السلف وقد عزى مُصابًا: إن صبرت فهي مصيبة واحدة وإن لم تصبر فهما مصيبتان.

أي: مصيبة على فقد الأحباب، والمصيبة الثانية ضياع الأجر.

ومن أمثال العرب: فقد الصبر أدهي المصيبتين"... (جنة الرضا:3/ 14) "

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

من رضي بقضاء الله جري عليه وكان له أجر ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله.

فقضاء الله نافذ كالسيف، وأمره واقع، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولكن العبد هو الذي يربح أو يخسر بحسب رضاه أو سخطه.

ـ يقول المنبجي -رحمه الله - كما في تسلية أهل المصائب صـ 45:

وليحذر العبد كل الحذر أن يتكلم في حال مُصيبته وبكائه بشيء يُحبط به أجره، ويسخط به ربه، مما يشبه التظلم، فإن الله تعالي عدل لا يجور، وعالم لا يضل ولا يجهل، وحكيم أفعاله كلها حكم ومصالح، ما يفعل شيئًا إلا لحكمة، فإنه سبحانه له ما أعطي وله ما أخذ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء له الخلق والأمر، بل إنما يتكلم العبد بكلام يُرضي به ربه، ويكثر به أجره، ويرفع به قدره.

وفي سلوة الحزين يُذكر أن أعرابية فقدت أباها ثم وقفت بعد دفنه فقالت:

"يا أبتي، إن في الله عوضًا عن فقدك، وفي رسوله صلى الله عليه وسلم من مصيبتك أسوة .. ثم قالت: ربي لك الحمد، اللهم نزل عبدك مفتقرًا من الزاد، مخشوشن المهاد، غنيًا عما في أيدي العباد، فقيرًا إلى ما في يدك يا جوَّاد، وأنت يا ربي خير من نزل بك المرملون، واستغني بفضلك المقلون، وولج في سعة رحمتك المذنبون، اللهم فليكن قرى عبدك منك رحمتك، ومهاده جنتك"

ثم انصرفت راضية محتسبة مأجورة بإذن الله غير مأزورة.

قال بعضهم: لن يري في الآخرة أرفع درجات من الراضين عن الله تعالى على كل حال، فمن وهب له الرضا فقد بلغ أفضل الدرجات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت